شفاء العليل

وأما قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنفال: ٥]، فيحتمل أن يكون إخراجًا بقدره ومشيئته فيكون من الأول، ويحتمل أن يكون إخراجًا بوحيه وأمره فلا يكون من هذا، فيكون الإخراج في كتاب الله ثلاثة أنواع:

أحدها: إخراج الخارج باختياره ومشيئته.

والثاني: إخراجه قهرًا وكرهًا.

والثالث: إخراجه أمرًا وشرعًا.

فصل

وقد ظن طائفة من الناس أن من هذا الباب قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، وجعلوا ذلك من أدلتهم على القدرية، ولم يفهموا مراد الآية، وليست من هذا الباب؛ فإن هذا خطاب لهم في وقعة بدر، حيث أنزل الله سبحانه ملائكته فقتلوا أعداءه، فلم ينفرد المسلمون بقتلهم، بل قتلتهم الملائكة.

وأما رمية النبي ﷺ فمقدوره كان هو الحَذْف والإلقاء، وأما إيصال ما رمى به إلى وجوه العدو مع البعد، وإيصال ذلك إلى وجوه جميعهم؛ فلم يكن من فعله، ولكنه فعل الله وحده، فالرمي يُراد به الحَذْف والإيصال، فأثبت له الحَذْف بقوله: ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾، ونفى عنه الإيصال بقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾.

فصل

ومن ذلك قوله: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣]، والضحك والبكاء فعلان اختياريان للعبد، فهو سبحانه المضحك المبكي حقيقة،

200

والعبد هو الضاحك الباكي حقيقة، وتأويل الآية بخلاف ذلك إخراج للكلام عن ظاهره بغير موجِب.

ولا منافاة بين ما يُذكر من تلك التأويلات وبين ظاهره؛ فإن إضحاك الأرض بالنبات، وإبكاء السماء بالمطر، وإضحاك العبد وإبكاءه بخلق آلات الضحك والبكاء له= لا ينافي حقيقة اللفظ وموضوعه ومعناه، من أنه جاعل الضحك والبكاء فيه، بل الجميع حق.

فصل

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الرعد: ١٢]، ورؤية البرق أمر واقع باختيارهم، فالإراءة فعله، والرؤية فعلنا، ولا يُقال: إراءة البرق خَلْقه؛ فإنّ خَلْقه لا يُسمّى إراءة، ولا يستلزم رؤيتنا له، بل إراءتنا له جَعْلنا نراه، وذلك فعله سبحانه.

ومن ذلك قول الخضر لموسى: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢]، فبلوغ الأشُدّ ليس من فعلهما، واستخراج الكنز من أفعالهما الاختيارية، وقد أخبر أن كليهما بإرادته سبحانه.

ومن ذلك قوله تعالى عن السحرة: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وليس إذنه ههنا أمره وشرعه، بل قضاؤه وقدره ومشيئته، فهو إذن كوني قدري، لا ديني أمري.

فصل

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح: ٢٦]، وكلمة التقوى هي الكلمة التي يُتّقى الله بها، وأعلى أنواع هذه

201

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي