شفاء العليل

سائر الأبدان إلى الأعناق، كما أضافوا جنايات أعضاء الأبدان إلى اليد، فقالوا: ذلك بما كسبت يداه، وإن كان الذي جرَّ عليه لسانه أو فرجه، فكذلك قوله: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ "١.

وقال الفراء: "الطائر معناه عندهم: العمل"٢.

قال الأزهري: "والأصل في هذا: أنَّ الله سبحانه لما خلق آدم علم المطيعَ من ذريته والعاصي، فكتب ما علمه منهم أجمعين، وقضى بسعادة من علمه مطيعًا، وشقاوة من علمه عاصيًا، فطار لكل ما هو صائر إليه عند خلقه وإنشائه"٣.

وأما قوله: "في عنقه" فقال أبو إسحاق: "إنّما يقال للشيء اللازم: هذا في عنق فلان، أي: لزومه له كلزوم القلادة من بين ما يلبس في العنق"٤.

قال أبو علي: "هذا مثل قولهم: طوّقْتُك كذا، وقلّدْتُك كذا، أي: صرفته نحوك وألزمتك إيّاه، ومنه: قلّده السلطان كذا، أي: صارت الولاية في لزومها له في موضع القلادة، ومكان الطوق"٥.

وقيل: إنما خص العنق؛ لأن عمله لا يخلو إما أن يكون خيرًا أو شرًّا،

  1. (١) "جامع البيان" (١٤/ ٥٢١).
  2. (٢) "معاني القرآن" (٢/ ١١٨) بمعناه.
  3. (٣) "تهذيب اللغة" (١٤/ ١١) باختصار.
  4. (٤) "معاني القرآن وإعرابه" (٣/ ٢٣٠) بتصرف.
  5. (٥) "الحجة للقراء السبعة" (٥/ ٨٩).
205

وذلك مما يزين أو يشين، كالحُلي والغُلّ، فأضيف إلى الأعناق١.

قالت القدرية: إلزامه ذلك: وسْمُه به وتعليمه بعلامة تُعرّف الملائكة أنه سعيد أو شقي، والخبر عنه بذلك، لا أنه ألزمه العمل فجعله لازمًا له.

قال أهل السنة: هذه طريقة لكم معروفة في تحريف الكلم عن مواضعه، سلكتموها في الختم والطبع والقفل، وهذا لا يعرفه أهل اللغة، وهو خلاف حقيقة اللفظ، وما فسّره به أعلم الأمة بالقرآن، ولا يُعرف ما قلتموه عن أحد من سلف الأمة البتَّة، ولا فَسَّر الآية به غيركم، ولا يصح حمل الآية عليه؛ فإن الخبر عنه بذلك، والعلامة التي أعلم بها؛ إنما حصل بعد طائره اللازم له من عمله، فلما لزمه ذلك الطائر ولم ينفك عنه أخبر عنه بذلك، وصارت عليه علامته وسمته.

ونحن قد أريناكم أقوال أئمة الهدى وسلف الأمة في الطائر، فأرونا قولكم عن واحد منهم قاله قبلكم.

وكل طائفة من أهل البدع تجرّ القرآن إلى بدعتها وضلالتها، وتفسّره بمذاهبها وآرائها، والقرآن بريء من ذلك، وبالله التوفيق.

فصل

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ١١ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ١٢ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [الحجر: ١١ - ١٣]، وقد وقع هذا المعنى في القرآن في موضعين: هذا أحدهما، والثاني في سورة الشعراء في

  1. (١) من جملة: "وقال الفراء" إلى هنا مقتبس من "البسيط" للواحدي (١٣/ ٢٧٧ - ٢٧٩).
206

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي