شفاء العليل

وذلك مما يزين أو يشين، كالحُلي والغُلّ، فأضيف إلى الأعناق١.

قالت القدرية: إلزامه ذلك: وسْمُه به وتعليمه بعلامة تُعرّف الملائكة أنه سعيد أو شقي، والخبر عنه بذلك، لا أنه ألزمه العمل فجعله لازمًا له.

قال أهل السنة: هذه طريقة لكم معروفة في تحريف الكلم عن مواضعه، سلكتموها في الختم والطبع والقفل، وهذا لا يعرفه أهل اللغة، وهو خلاف حقيقة اللفظ، وما فسّره به أعلم الأمة بالقرآن، ولا يُعرف ما قلتموه عن أحد من سلف الأمة البتَّة، ولا فَسَّر الآية به غيركم، ولا يصح حمل الآية عليه؛ فإن الخبر عنه بذلك، والعلامة التي أعلم بها؛ إنما حصل بعد طائره اللازم له من عمله، فلما لزمه ذلك الطائر ولم ينفك عنه أخبر عنه بذلك، وصارت عليه علامته وسمته.

ونحن قد أريناكم أقوال أئمة الهدى وسلف الأمة في الطائر، فأرونا قولكم عن واحد منهم قاله قبلكم.

وكل طائفة من أهل البدع تجرّ القرآن إلى بدعتها وضلالتها، وتفسّره بمذاهبها وآرائها، والقرآن بريء من ذلك، وبالله التوفيق.

فصل

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ١١ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ١٢ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [الحجر: ١١ - ١٣]، وقد وقع هذا المعنى في القرآن في موضعين: هذا أحدهما، والثاني في سورة الشعراء في

  1. (١) من جملة: "وقال الفراء" إلى هنا مقتبس من "البسيط" للواحدي (١٣/ ٢٧٧ - ٢٧٩).
206

قوله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ ١٩٨ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ١٩٩ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ٢٠٠ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [الشعراء: ١٩٨ - ٢٠١]، قال ابن عباس: "سلك الشرك في قلوب المكذبين، كما سلك الخرزة في الخيط"١.

وقال أبو إسحاق: "أي: كما فعل بالمجرمين الذين استهزؤوا بمن تقدم من الرسل، كذلك سلك الضلال في قلوب المجرمين"٢.

واختلفوا في مفسّر الضمير في قوله: ﴿نَسْلُكُهُ﴾، فقال ابن عباس: "سلكنا الشرك". وهو قول الحسن.

وقال الزجاج وغيره: "هو الضلال".

وقال الربيع: "يعني: الاستهزاء".

وقال الفراء: "التكذيب"٣.

وهذه الأقوال ترجع إلى شيء واحد، والتكذيب والاستهزاء والشرك كل ذلك فعلهم حقيقة، وقد أخبر أنه سبحانه هو الذي سلكه في قلوبهم.

وعندي في هذه الأقوال شيء؛ فإن الظاهر أن الضمير في قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ هو الضمير في قوله "سلكناه" فلا يصح أن يكون المعنى: لا يؤمنون بالشرك والتكذيب والاستهزاء.

  1. (١) نسبه إليه في "البسيط" (١٢/ ٥٥١).
  2. (٢) "معاني القرآن وإعرابه" (٣/ ١٧٤).
  3. (٣) الفقرة مقتبسة من "البسيط" (١٢/ ٥٥٠).
207

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي