شفاء العليل

[فصلت: ٢٥] وإنما معنى الآية التسليط"١.

قلت: وهذا هو المفهوم من معنى الإرسال، كما في الحديث: "إذا أرسلتَ كلبك المُعَلَّم"٢ أي: سلَّطته، ولو خَلَّى بينه وبين الصيد من غير إرسال منه لم يُبَح صيده.

وكذلك قوله: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمِ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]، أي: سلّطناها وسخّرناها عليهم.

وكذلك قوله: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ [الفيل: ٣]، وكذلك قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [القمر: ٣١].

والتخلية بين المُرْسَل وبين ما أُرْسِل عليه من لوازم هذا المعنى، ولا يتم التسليط إلا به، فإذا أُرْسِل الشيء الذي من طبعه وشأنه أن يفعل فعلًا ولم يمنعه من فعله فهذا هو التسليط.

ثم إنّ القدرية تناقضوا في هذا القول، فإنهم إن جوَّزوا منعهم منهم وعصمتهم وإعاذتهم فقد نقضوا أصلهم؛ فإنّ مَنْع المختار من فعله الاختياري مع سلامة آلته وصحة بنيته يدل على أن فعله وتركه مقدور للربّ، وهذا عين قول أهل السنة.

وإن قالوا: لا يقدر على منعهم وعصمتهم منهم وإعاذتهم، فقد جعلوا قدرتهم ومشيئتهم بفعل ما لا يقدر الرب على المنع منه، وهذا أبطل الباطل.

  1. (١) "معاني القرآن وإعرابه" (٣/ ٣٤٥)، وفيه: "معنى الإرسال ههنا التسليط".
  2. (٢) أخرجه البخاري (١٧٥)، ومسلم (١٩٢٩) من حديث عدي بن حاتم.
211

ثم قالت القدرية: معنى ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾: تأمرهم بالمعاصي أمرًا. وحكوا ذلك عن الضحاك.

وهذا لا يُلتفت إليه؛ إذ لا يُقال لمن أَمَر غيره بشيء: قد أزّه. ولا تساعد اللغة على ذلك، ولو كان ذلك صحيحًا لكانت تؤز المؤمنين أيضًا؛ فإنها تأمرهم بالمعاصي أكثر من أمر الكافرين؛ فإن الكافر سريع الطاعة والقبول من الشيطان، فلا يحتاج من أمره إلى ما يحتاج إليه من أمر المؤمنين، بل يأمر الكافر مرّة، ويأمر المؤمن مرات، فلو كان الأزّ الأمر لم يكن له اختصاص بالكافرين.

فصل

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ١ مَلِكِ النَّاسِ ٢ إِلَهِ النَّاسِ ٣ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ٤ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ٥ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: ١ - ٦]، وقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ٩٧ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٧ - ٩٨]، وقوله: ﴿يَعْمَلُونَ ٩٧ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ﴾ [النحل: ٩٨]، ومن المعلوم أن الإعاذة من الشيطان الرجيم ليست بإماتته، ولا تعطيل آلات كيده وشرّه، وإنّما هي بأن يَعْصم المستعيذ من أذاه له، ويحول بينه وبين فعله الاختياري به، فدلّ على أنَّ فعله مقدور له سبحانه، إن شاء سلَّطه على العبد، وإن شاء حال بينه وبينه.

وهذا على أصول القدرية باطل، فلا يثبتون حقيقة الإعاذة، وإن أثبتوا حقيقة الاستعاذة من العبد، وجعلوا الآية ردًّا على الجبرية. والجبرية أثبتوا

212

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي