حقيقة الإعاذة، ولم يثبتوا حقيقة الاستعاذة من العبد، بل الاستعاذة فعل الربِّ حقيقة، كما أن الإعاذة فعله.
وقد ضَلَّت الطائفتان عن الصراط المستقيم، وأصابت كل طائفة منهما فيما أثبتته من الحق.
فصل
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾[النحل: ١٢٧]، وقول هود ﵇: ﴿وَمَا تَوْفِيقِيَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾[هود: ٨٨]، ومعلوم أن الصبر والتوفيق فعل اختياري للعبد، وقد أخبر أنه به سبحانه لا بالعبد، وهذا لا ينفي أن يكون فعلًا للعبد حقيقة، ولهذا أمر به وهو لا يأمر عبده بفعل نفسه سبحانه، وإنما يؤمر العبد بفعله هو، ومع هذا فليس فعله واقعًا به، وإنّما هو بالخالق لكل شيء، الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فالتصبير منه سبحانه وهو فعله، والصبر هو القائم بالعبد، وهو فعل العبد.
ولهذا أثنى على من سأله أن يصبِّره فقال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ٢٥٠ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾[البقرة: ٢٥٠ - ٢٥١]، ففي الآية أربعة أدلة:
أحدها: قولهم: ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾، والصبر فعلهم الاختياري، فسألوه لمن١ هو بيده ومشيئته وإذنه إن شاء أعطاهموه، وإن شاء منعهموه.
(١) كذا في الأصول: "فسألوه لمن"، ولم يظهر لي وجهها، فلعلها: "فسألوا من".
الثاني: قولهم: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾، وثبات الأقدام فعل اختياري، ولكن التثبيت فعله، والثبات فعلهم، ولا سبيل إلى فعلهم إلا بعد فعله.
الثالث: قولهم: ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾، فسألوه النصر، وذلك بأن يقوّي عزائمهم ويشجعهم ويصبرهم ويثبتهم، ويلقي في قلوب أعدائهم الخور والخوف والرعب، فيحصل النصر.
وأيضًا فإنّ كون الإنسان منصورًا على غيره إما أن يكون بأفعال الجوارح، وهو واقع بقدرة العبد واختياره، وإما أن يكون بالحجة والبيان والعلم، وذلك أيضًا فعل العبد، وقد أخبر سبحانه أنّ النصر بجملته من عنده، وأثنى على من طلبه منه، وعند القدرية لا يدخل تحت مقدور الربّ.
الرابع: قوله: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وإذنه ههنا هو الإذن الكوني القدري، أي: بمشيئته وقضائه وقدره، ليس هو الإذن الشرعي الذي هو بمعنى الأمر؛ فإن ذلك لا يستلزم الهزيمة، بخلاف إذنه الكوني وأمره الكوني، فإنّ المأمور المكوَّن١ لا يتخلف عنه البتة.
فصل
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾[الكهف: ٢٨]، وفي الآية ردٌّ ظاهر على الطائفتين وإبطال لقولهما، فإنه سبحانه أغفل قلب العبد عن ذكره فغفل هو، فالإغفال فعل الله، والغفلة فعل العبد، ثم أخبر عن اتباعه هواه، وذلك فعل العبد حقيقة.