وقال أبو إسحاق: "خلق الإنسان مستويًا"٣، وهذا تمثيل، وإلا فالخلق والتسوية شامل للإنسان وغيره، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾[الشمس: ٧]، وقال: ﴿السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾[البقرة: ٢٩]، فالتسوية شاملةٌ لجميع مخلوقاته: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾[الملك: ٣]، وما يوجد من التفاوت وعدم التسوية فهو راجع إلى عدم إعطاء التسوية للمخلوق؛ فإن التسوية أمرٌ وجودي يتعلق بالتأثير والإبداع، فما عُدِم منها فلعدم إرادة الخالق للتسوية، وذلك أمر عدمي يكفي فيه عدم الإبداع والتأثير.
فتأمل ذلك؛ فإنه يزيل عنك الإشكال في قوله: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾، فالتفاوت حاصل بسبب عدم مشيئة التسوية، كما أنّ الجهل والصمم والعمى والخرس والبكم يكفي فيها عدم مشيئة خلقها وإيجادها، وتمام هذا يأتي ــ إن شاء الله ــ في باب دخول الشر في القضاء الإلهي عند قول النبي ﷺ: "والشر ليس إليك"٤.
والمقصود أن كل مخلوق فقد سوّاه خالقه سبحانه في مرتبة خلقه، وإن
(١) نسبه إليه في "البسيط" (٢٣/ ٤٣١)، ومثله في "تفسير البغوي" (٨/ ٤٠٠).
(٢) نسبه إليه في "البسيط" (٢٣/ ٤٣١)، ونسبت إلى عطاء في "الكشف والبيان" (١٠/ ١٨٣) وغيره.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" (٥/ ٣١٥).
(٤) (٢/ ٨١).
فاتته التسوية من وجه آخر لم يُخلق له.
فصل
وأما التقدير والهداية فقال مقاتل: "قَدّر خلق الذكر والأنثى من الدواب، فهدى الذكر للأنثى كيف يأتيها"١، وقاله ابن عباس والكلبي٢.
وكذلك قال عطاء: "قدر من النسل ما أراد، ثم هدى الذكر للأنثى"٣.
واختار هذا القول صاحب "النظم"٤ فقال: "معنى "هدى" هداية الذكر لإتيان الأنثى كيف يأتيها؛ لأن إتيان ذُكران الحيوان لإناثه مختلف لاختلاف الصور والخلق والهيئات، فلولا أنه سبحانه جبل كل ذكر على معرفة كيف يأتي أنثى جنسه لما اهتدى لذلك"٥.
وقال مقاتل أيضًا: "هداه لمعيشته ومرعاه"٦.
وقال السدي: "قَدَّر مدة الجنين في الرحم، ثم هُدِي للخروج"٧.