وأما التقدير والهداية فقال مقاتل: "قَدّر خلق الذكر والأنثى من الدواب، فهدى الذكر للأنثى كيف يأتيها"١، وقاله ابن عباس والكلبي٢.
وكذلك قال عطاء: "قدر من النسل ما أراد، ثم هدى الذكر للأنثى"٣.
واختار هذا القول صاحب "النظم"٤ فقال: "معنى "هدى" هداية الذكر لإتيان الأنثى كيف يأتيها؛ لأن إتيان ذُكران الحيوان لإناثه مختلف لاختلاف الصور والخلق والهيئات، فلولا أنه سبحانه جبل كل ذكر على معرفة كيف يأتي أنثى جنسه لما اهتدى لذلك"٥.
وقال مقاتل أيضًا: "هداه لمعيشته ومرعاه"٦.
وقال السدي: "قَدَّر مدة الجنين في الرحم، ثم هُدِي للخروج"٧.
(٢) أخرج أثر ابن عباس بمعناه الطبري (١٦/ ٧٩)، وأثر الكلبي بمعناه عبد الرزاق في "التفسير" (١٨١٥)، وانظر: "البسيط" (٢٣/ ٤٣٣).
(٣) نسبه إليه في "البسيط" (٢٣/ ٤٣٢).
(٤) "نظم القرآن" لأبي علي الحسن بن يحيى الجرجاني من علماء القرن الرابع، انظر: "تاريخ جرجان" (١٨٧).
(٥) انظر: "البسيط" (٢٣/ ٤٣٣).
(٦) "تفسير مقاتل" (٣/ ٢٩).
(٧) نسبه إليه في "البسيط" (٢٣/ ٤٣٤).
وقال مجاهد: "هدى الإنسان لسبيل الخير والشر، والسعادة والشقاوة"١.
وقال الفرّاء: "التقدير: فهدى وأضل، فاكتفى من ذكر أحدهما بالآخر"٢.
قلت: الآية أعمّ من هذا كله، وأضعف الأقوال فيها قول الفرّاء؛ إذ المراد ههنا الهداية العامة لمصالح الحيوان في معاشه، وليس المراد هداية الإيمان والضلال بمشيئته، وهي نظير قوله: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾[طه: ٥٠]، فإعطاؤه الخلق: إيجاده في الخارج، والهداية: التعليم والدلالة على سبيل بقائه وما يحفظه ويقيمه.
وما ذكره مجاهد فهو تمثيل منه، لا تفسير مطابق للآية؛ فإن الآية شاملة لهداية الحيوان كله: ناطقه وبهيمه، طيره ودوابه، فصيحه وأعجمه.
وكذلك قول من قال: "إنه هداية الذكر لإتيان الأنثى"، تمثيل أيضًا، وهو فرد واحد من أفراد الهداية التي لا يحصيها إلا الله.
وكذلك قول من قال: "هداه للمرعى"، فإن ذلك من الهداية، فأين الهداية إلى التِقام الثدي عند خروجه من بطن أمه؟ والهداية إلى معرفته أمه دون غيرها حتى يتبعها أين ذهبت؟ والهداية إلى قصد ما ينفعه من المرعى دون ما يضره منه، وهداية الطير والوحش والدواب إلى الأفعال العجيبة التي
(١) بنحوه في التفسير المنسوب إليه (٧٢٢)، وأسنده الطبري (٢٤/ ٣١١)، وانظر: "البسيط" (٢٣/ ٤٣٣).