شفاء العليل

ووقع على ذلك الضِّغْث١، وتبعه خدمه وسائر النحل، فيحمله صاحبه إلى الخلية، فينزل ويدخلها هو وجنوده.

ولا يقع النحل على جيفة ولا حيوان ولا طعام.

ومن عجيب أمرها أنها تقتل الملوك الظلمة المفسدة، ولا تدين بطاعتها.

والنحل الصغار المجتمعة الخلق هي العَسّالة، وهي تحاول مقاتلة الطوال القليلة النفع، وإخراجها ونفيها عن الخلايا، وإذا فعلت ذلك جاد العسل، وتجتهد أن تقتل ما تريد قتله خارج الخلية؛ صيانة للخلية عن جيفته.

ومنها صنف قليلة النفع كبيرة الجسم، وبينها وبين العَسّالة حرب، فهي تقصدها وتغتالها، وتفتح عليها بيوتها، وتقصد هلاكها، والعَسَّالة شديدة التيقظ والتحفظ منها، فإذا هجمت عليها بيوتها صاولتها٢ وألجأتها إلى أبواب البيوت، فتتلطّخ بالعسل، فلا تقدر على الطيران، ولا يفلت منها إلا كل طويل العمر، فإذا انقضت الحرب، وبرد القتال عادت إلى القتلى فحملتها، وألقتها خارج الخلية.

وقد ذكرنا أن الملك لا يخرج إلا في الأحايين، وإذا خرج خرج في جموع من الفراخ والشباب، وإذا عزم على الخروج ظلّ قبل ذلك بيوم أو يومين يعلّم الفراخ، وينزلها منازلها ويرتبها، فيخرج ويخرجن معه على ترتيب ونظام قد دبّره معهن، لا يخرجن عنه.

  1. (١) طَفَر: وثَب، والضِّغْث: قبضة حشيش مختلطة الرطب باليابس، ينظر: "الصحاح" (ضغث) (١/ ٢٥٨) (طفر) (٢/ ٧٢٦).
  2. (٢) تحرفت في الأصول إلى: "حاولتها".
227

وإذا تولدت عنده ذكران عرف أنهن يطلبن الملك، فيجعل كل واحد منهم على طائفة من الفراخ، ولا يقتل ملكٌ منها ملكًا آخر؛ لما في ذلك من فساد الرعية وهلاكها وتفرقها.

وإذا رأى صاحب الخلية الملوك قد كثرت في الخلية، وخاف من تفرق النحل بسببهم؛ احتال عليهم وأخذ الملوك كلها إلا واحدًا، ويحبس الباقي عنده في إناء، ويدع عندهم من العسل ما يكفيهم، حتى إذا حدث بالملك المنصوب حدث من مرض أو موت أو كان مفسدًا فقتلته النحل؛ أخذ من هؤلاء المحبوسين واحدًا، وجعله مكانه؛ لئلا يبقى النحل بلا ملك فيتشتّت أمرها.

ومن عجيب أمرها أن الملك إذا خرج متنزِّهًا ومعه الأمراء والجنود ربما لحقه إعياء فتحمله الفراخ.

وفي النحل كرام عمّال لها سعي وهمة واجتهاد، وفيها لئام كسالى قليلة النفع مؤثرة للبطالة، فالكرام دائمًا تطردها وتنفيها عن الخلية، ولا تساكنها خشية أن تعدي كرامها وتفسدها.

والنحل من أنظف الحيوان وأنقاه، ولذلك لا تلقي زِبْلها إلا وهي تطير، وتكره النتن والروائح الخبيثة.

وأبكارها وفراخها أحرص وأشد اجتهادًا من الكبار، وأقل لسعًا وأجود عسلًا، ولسعها إذا لسعت أقل ضررًا من لسع الكبار.

ولما كانت النحل من أنفع الحيوان وأبركه - وقد خُصَّت من وحي الربِّ تعالى وهدايته بما لم يشركها فيه غيرها - وكان الخارج من بطونها مادة الشفاء من الأسقام والنور الذي يضيء في الظلام بمنزلة الهداة من الأنام= كانت

228

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي