وذكر هشام بن حسان أن أهل الأحنف بن قيس لقوا من النمل شدّة، فأمر الأحنف بكرسي فوضع عند بيوتهن فجلس عليه، ثم تشهّد، ثم قال: لتنتهنّ أو لنحرقنّ عليكن ونفعل ونفعل، قال: فذهبن٢.
وروى عوف بن أبي جميلة، عن قَسَامَة بن زهير، قال: قال أبو موسى الأشعري: إن لكل شيء سادة، حتى إن للنمل سادة٣.
ومن عجيب هدايتها، أنها تعرف ربّها بأنه فوق سماواته على عرشه، كما رواه الإمام أحمد في "كتاب الزهد"٤ من حديث أبي هريرة يرفعه قال: "خرج نبي من الأنبياء بالناس يستسقون، فإذا هم بنملة رافعة قوائمها إلى السماء تدعو، مستلقية على ظهرها، فقال: ارجعوا فقد كفيتم أو سقيتم بغيركم".
ولهذا الأثر عدَّة طُرق، ورواه الطحاوي في "التهذيب"٥ وغيره.
وقال الإمام أحمد: حدثنا [وكيع، حدثنا مسعر، عن زيد العَمِّي، عن أبي
(١) أخرجه البخاري (٣٣١٩)، ومسلم (٢٢٤١).
(٢) أورده الجاحظ في "الحيوان" (٤/ ١٨)، وأسنده من أوجه أخرى أحمد في "مسائل عبد الله" (١٦٢٠)، و"الزهد" (١٢٩٦).
(٣) "الحيوان" (٤/ ١٩)، وأسنده الحارث كما في "بغية الباحث" (٧٩٩).
(٤) لم أقف عليه في مطبوعته، وأخرجه الدارقطني في "السنن" (١٧٩٧)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٥/ ١٧٥٣)، من طرق لينة تشد بعضها بعضًا، وصححه الحاكم (١٢١٥).
(٥) لعله يقصد "كشف مشكل الآثار" (٨٧٥)، فإني لم أقف عليه في "شرح المعاني" له.
الصدّيق الناجي]١ قال: "خرج سليمان بن داود يستسقي، فرأى نملة مستلقية على ظهرها، رافعة قوائمها إلى السماء، وهي تقول: اللهم إنّا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن سقياك ورزقك، فإمّا أن تسقينا وترزقنا، وإما أن تهلكنا، فقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم"٢.
وقد حدثني مَن أثق به أن نملة خرجت من بيتها، فصادفت شِقّ جرادة، فحاولت أن تحمله فلم تطق، فذهبت وجاءت معها بأعوان يحملنه معها، قال: فرفعْتُ ذلك من الأرض، فطافت في مكانه فلم تجده، فانصرفوا وتركوها، قال: فوضعْتُه، فعادت تحاول حمله فلم تقدر، فذهبت وجاءت بهم، فرفعْتُه، فطافت فلم تجده، فانصرفوا، قال: فعلتُ ذلك مرارًا، فلما كان في المرة الأخيرة استدار النمل حلقة، ووضعوها في وسطها، وقطعوها عضوًا عضوًا.
قال شيخنا ــ وقد حكيت له هذه الحكاية ــ: "هذه النمل فطرها الله سبحانه على قبح الكذب وعقوبة الكذاب"٣.
والنمل من أحرص الحيوان، ويُضرب بحرصه المثل.
ويُذكر أن سليمان بن داود ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ لما رأى حرص النملة، وشدَّة ادخارها للغذاء؛ استحضر نملة وسألها: كم تأكل النملة من
(١) زيادة من مصدر الخبر، موضعه بياض في الأصول.
(٢) "الزهد" (٤٤٩)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٠١٠١)، والجاحظ في "الحيوان" (٤/ ١٩) واللفظ له.