شفاء العليل

ومنطقه وشمائله، فما عمل آدمي عملًا إلا ألقى الله عليه رداء عمله"١.

فصل٢

وهذا الحمام من أعجب الحيوان هداية، حتى قال الشافعي: "أعقل الطير الحمام"٣.

وبُرُد الحمام - وهي التي تحمل الرسائل والكتب - ربما زادت قيمة الطير منها على قيمة المملوك والعبد؛ فإن الغرض الذي يحصل به لا يحصل بمملوك ولا بحيوان غيره؛ لأنه يذهب ويرجع إلى مكانه من مسيرة ألف فرسخ فما دونها، وينهي٤ الأخبار والأغراض والمقاصد التي تتعلق بها مهمات الممالك والدول.

والقيِّمون بأمرها يعتنون بأنسابها اعتناءً عظيمًا، فيفرّقون بين ذكورها وإناثها وقت السِّفاد، وتنقل الذكور عن إناثها إلى غيرها، والإناث عن ذكورها، ويخافون عليها من فساد أنسابها وحملها من غيرها، ويتعرفون صحة طرقها ومحلها؛ لأنهم لا يأمنون أن يَسْفِد٥ الأنثى ذكرٌ٦ من عرض الحمام فتعتريها الهُجْنة.

  1. (١) "الكشاف" (٣/ ٣٦٢).
  2. (٢) انظر: "الحيوان" (٣/ ١٤٤ - ٢٩٨)، وجل مادة هذا الفصل مقتبسة منه.
  3. (٣) بنحوه في "الأم" (٣/ ٥٠٧)، وبنصه أورده ابن العربي في "أحكام القرآن" (٣/ ٤٧٢).
  4. (٤) "م": "ويرى".
  5. (٥) "د" "م": "يفسد"، والمثبت من "ج"، والسياق يعضده.
  6. (٦) في الأصول: "ذكرًا" خطأ مفسد للمعنى، والفقرة بقريب منها في "الحيوان" (٣/ ٢١٣).
237

والقيّمون بأمرها لا يحفظون أرحام نسائهم ويحتاطون لها كما يحفظون أرحام حمامهم ويحتاطون لها.

والقيّمون بأمرها لهم في ذلك قواعد وطرق يعتنون بها غاية الاعتناء، بحيث إذا رأوا حمامًا ساقطًا لم يَخْفَ عليهم حسبُها ونسبُها وبلدُها.

ويعظّمون صاحب التجربة والمعرفة، وتسمح أنفسهم بالجُعْل الوافر له.

ويختارون لحمل الكتب والرسائل الذكور منها، ويقولون: هو أحنُّ إلى بيته لمكان أنثاه، وهو أشدّ متنًا، وأقوى بدنًا، وأحسن اهتداءً.

وطائفة منهم يختار لذلك الإناث، ويقولون: الذكر إذا سافر وبعد عهده حَنَّ إلى الإناث، وتاقت نفسه إليهن، فربما رأى أنثى في طريقه ومجيئه فلا يصبر عنها، فتَرَكَ المسير، ومال إلى قضاء وطره منها.

وهداية الحمام على قدر التعليم والتوطين.

والحمام موصوف باليُمن والإلف والتأنّس، ويحب الناس ويحبونه، ويألف المكان، ويثبت على العهد والوفاء لصاحبه وإن أساء إليه، ويعود إليه من مسافات شاسعة، وربما صُدّ واختُزِل١ عن وطنه عشر حجج٢، وهو ثابت على الوفاء، حتى إذا وجد فرصة واستطاعة عاد إليه.

والحمام إذا أراد السِّفاد تلطّف للأنثى غاية التلطّف، فيبدأ بنشر ذنبه

  1. (١) من الاختزال وهو الانقطاع والانفراد، كما في "تاج العروس" (خزل) (٢٨/ ٤٠٦)، وفي "د": "وافترك" دون إعجام، وفي "ج": "فترك"، والمثبت من "م".
  2. (٢) "ج": "سنين".
238

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي