أفضى إلى عَرْصة الدار إذا هو بصبي يلعب مع جِراء كلبة قد كانت لأهل الدار، فراعه ذلك، فلم يلبث أن أقبلت كلبة قد كانت لأهل الدار، فلما رآها الصبي حبا إليها فأمكنته من أَطْبائها فمصّها.
وذلك أن الصبي لما اشتدّ جوعه، ورأى جِراء الكلبة يرتضعون من أَطْبائها حبا إليها، فعطفت عليه، فلما سقته مرّة أدامت له ذلك، وأدام هو الطلب.
ولا يُستبعد هذا وما هو أعجب منه؛ فإن الذي هدى المولود إلى مص إبهامه ساعة يولد، ثم هداه إلى التقام حلمة ثدي لم يتقدم له به عادة، كأنه قد قيل له: هذه خزانة طعامك وشرابك التي كأنك لم تزل بها عارفًا= في هدايته للحيوان إلى مصالحه ما هو أعجب من ذلك١.
ومن ذلك أن الديك الشاب إذا أُلْقِي له حَبٌّ لم يأكله حتى يفرقه، فإذا هرم وشاخ أكله من غير تفريق، كما قال المدائني٢: إن إياس بن معاوية مَرَّ بديك ينقر حبًّا ولا يفرقه، فقال: ينبغي أن يكون هَرِمًا؛ فإن الديك الشاب يفرق الحبَّ لتجتمع الدجاج حوله فيصبن منه، والهَرِم قد فنيت رغبته فيهن، فليس له همة إلا نفسه. قال إياس: والديك الشاب يأخذ الحبة فيؤثر بها الدجاجة حتى يلقيها من فِيه، والهرم يبتلعها ولا يلقيها للدجاجة٣.
(١) "الحيوان" (٢/ ١٥٠، ١٥٢).
(٢) علي بن محمد أبو الحسن البصري المدائني الأخباري (٢٢٥ هـ)، "تاريخ الإسلام" (٥/ ٦٣٨).
(٣) "الحيوان" (٢/ ١٥٥ - ١٥٦).
وذكر ابن الأعرابي قال: أكلت حيّةٌ بيض مُكَّاء١، فجعل المُكَّاء يشوّش٢ ويطير على رأسها ويدنو منه، حتى إذا فتحت فاها وهمّت به ألقى فيه حَسَكة، فأخذت بحلقها حتى ماتت.
وأنشد أبو عمرو الشيباني في ذلك قول الأسدي:
إن كنت أبصرتني عَيلًا ومصطلمًافربما قتل المكَّاءُ ثعبانًا٣
وهداية الحيوانات إلى مصالح معاشها كالبحر، حدِّث عنه ولا حرج.
ومن عجيب هدايتها أن الثعلب إذا امتلأ من البراغيث أخذ صوفة بفمه، ثم عمد إلى ماء رقيق، فنزل فيه قليلًا قليلًا، حتى ترتفع البراغيث إلى الصوفة، فيلقيها في الماء ويخرج٤.
ومن عجيب أمره أن ذئبًا أكل أولاده، وكان للذئب أولاد، وهناك زُبْيَة٥، فعمد الثعلب وألقى نفسه فيها، وحفر فيها سردابًا يخرج منه، ثم عمد إلى أولاد الذئب فقتلهم، وجلس ناحية ينتظر الذئب، فلما أقبل وعرف أنها فِعْلَته هرب قدّامه وهو يتبعه، فألقى نفسه في الزُبْيَة، ثم خرج من
(١) طائر له صفير حسن، وتصعيد في الجو وهبوط، من فصيلة القنابر، ينظر: "معجم الحيوان" لمعلوف (١٤٦).
(٢) من التشويش وهو الخلط واللبس، وفي "الحيوان" (٧/ ٢٣): "يشرشر"، والشرشرة كالرفرفة بالجناح، انظر: "التقفية" (٤٣٢).
(٣) الحكاية والشاهد في "الحيوان" (٧/ ٢٣)، وفيه: "أبصرتني فذًّا" أي: فردًا، وقوله: "مصطلمًا" يعني مقطوعًا وحيدًا.