شفاء العليل

جميعًا نصيبهما من حضانتها، ولِخَوف١ طباع الأرض على البيض إذا استمر على جانب واحد٢.

وقيل لآخر: ما علّمك اللَّجَاج في الحاجة والصبر عليها وإن استعصت حتى تظفر بها؟

قال: من علّم الخنفساء إذا صعدت في الحائط تسقط، ثم تصعد، ثم تسقط مرارًا عديدة، حتى تستمر صاعدة٣.

وقيل لآخر: من علّمك البكور في حوائجك أول النهار لا تُخلّ به؟

قال: مَن علّم الطير تغدو خِماصًا كل بكرة في طلب أقواتها على قربها وبعدها، لا تسأم ذلك، ولا تخاف ما يعرض لها في الجو والأرض.

وقيل لآخر: مَن علّمك السكون والتحفظ والتماوت حتى تظفر بأربك، فإذا ظفرت به، وثبت وثوب الأسد على فريسته؟

فقال: الذي علم السِّنَّوْر أن ترصد جُحر الفأرة، فلا تتحرك ولا تمور٤ ولا تختلج، كأنها ميتة، حتى إذا برزت لها الفأرة وثبت عليها كالأسد.

وقيل لآخر: من علّمك الصبر والجلد والاحتمال وعدم الشكوى؟

قال: مَن علَّم أبا أيوب٥ صبره على الأثقال والأحمال الثقيلة، والمشي

  1. (١) "د" "م": "وتخوف"، والمثبت من "ج" موافق لما في "الحيوان".
  2. (٢) انظر: "الحيوان" (٧/ ٣٥).
  3. (٣) ينظر في لجاج الخنفساء: "الحيوان" (٣/ ٣٤٠).
  4. (٤) "ولا تمور" من "م"، وفي "د" "ج": "ننوى" مهملة، ولعلها: "ولا تموء".
  5. (٥) هي كنية الجمل، ويكنى أيضًا أبا صفوان، كما في "ثمار القلوب" (٢٥١).
250

بها على ظهره من بلد إلى بلد، مادًّا عنقه مستسلمًا، صابرًا على الجوع والعطش والتعب، وغِلْظة الجمَّال وضربه، فالثقل والكَلّ على ظهره، ومرارة الجوع والعطش في كبده، وجهد التعب والمشقة ملء جوارحه، ولا مُعوَّل له غير الصبر.

وقيل لآخر: مَن علَّمك حسن الإيثار والسماحة بالبذل؟

قال: مَن علَّم الديك يصادف الحبة في الأرض وهو محتاج إليها فلا يأكلها، بل يستدعي الدجاج، ويطلبهن طلبًا حثيثًا، حتى تجيء الواحدة منهن فتلقطها، وهو مسرور بذلك طيب النفس به، وإذا وُضِع له الحبّ الكثير فرَّقه ههنا وههنا وإن لم يكن هناك دجاج؛ لأن طبعه قد ألف البذل والجود، فهو يرى من اللؤم أن يستبد وحده بالطعام.

وقيل لآخر: مَن علّمك هذا التحيّل في طلب الرزق، ووجوه تحصيله؟

قال: مَن علّم الثعلب تلك الحيل التي يعجز العقلاء عن علمها وعملها، وهي أكثر من أن تذكر؟

ومَن علّم الأسد إذا مشى وخاف أن يُقتص أثره ويُطلب، عفا١ على أثر مشيته بذنبه، ومَن علمه أن يأتي إلى شبله في اليوم الثالث من وضعه فينفخ في منخريه فيتحرك؛ لأن اللبوة تضعه خَوِرًا كالميت، فلا تزال تحرسه حتى يأتي أبوه فيفعل به ذلك، ومن ألهَم كرام الأسود وأشرافها أن لا تأكل إلا من فريستها، وإذا مر بفريسة غيره لم يدن منها ولو جهده الجوع؟

ومَن علَّم الأسد أن يخضع للبَبْر، ويذلّ له إذا اجتمعا حتى ينجو منه،

  1. (١) كذا في الأصول: "عفا"، والأقرب: "أن يعفو".
251

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي