الضلال والطبع والختم والقفل والوقر، وما يحول بين العبد وبين الإيمان مخلوق لله، وهو واقع بقدرته ومشيئته؛ فقد أعطى أن أفعال العبد مخلوقة لله، وأنها واقعة بمشيئته، فلا فرق بين الفعل الابتدائي والفعل الجزائي إن كان هذا مقدورًا لله واقعًا بمشيئته فالآخر كذلك، وإن لم يكن ذاك مقدورًا، ولا يصح دخوله تحت المشيئة فهذا كذلك، والتفريق بين النوعين تناقض محض.
وقد حَكَى هذا التفريق عن بعض القدرية أبو القاسم الأنصاري في "شرح الإرشاد" فقال: "ولقد اعترف طوائف من القدرية بأن الختم والطبع موانع، غير أنها عقوبات من الله تعالى لأصحاب الجرائم، قال: وممن صار إلى هذا المذهب: عبد الواحد بن زيد البصري، وبكر ابن أخته، قال: وسبيل المعاقبين بذلك سبيل المعاقبين بالنار"١، وهؤلاء بقي عليهم درجة واحدة وقد تحيزوا إلى أهل السنة والحديث.
فصل
وقالت طائفةٌ منهم: الكافر هو الذي طَبَع على قلب نفسه في الحقيقة، وخَتَم على قلبه، والشيطانُ أيضًا فعل ذلك، ولكن لما كان الله سبحانه هو الذي أقدر العبد والشيطان على ذلك نسب الفعل إليه؛ لإقداره للفاعل على ذلك، لا لأنه هو الذي فعله.
قال أهل السنة والعدل: هذا الكلام فيه حق وباطل، فلا يُقبل مطلقًا ولا يُرد مطلقًا، فقولكم: "إن الله سبحانه أقدر الكافر والشيطان على الطبع
(١) "شرح الإرشاد" نسخة أيا صوفيا (ق ١٨٠/أ) باختصار.
والختم" كلام باطل؛ فإنه لم يقدره إلا على التزيين والوسوسة والدعوة إلى الكفر، ولم يقدره على خلق ذلك في قلب العبد البتَّة، وهو أقل من ذلك وأعجز، وقد قال ﷺ: "بُعِثت داعيًا ومبلّغًا، وليس إليَّ من الهداية شيء، وخُلِق إبليس مُزيّنًا، وليس إليه من الضلالة شيء"١، فمقدور الشيطان أن يدعو العبد إلى فعل الأسباب التي إذا فعلها ختم الله على قلبه وسمعه وطبع عليه، كما يدعوه إلى الأسباب التي إذا فعلها٢ عاقبه الله بالنار، فعقابه بالنار كعقابه بالختم والطبع، وأسباب العقاب فعله، وتزيينها وتحسينها فعل الشيطان، والجميع مخلوق لله.
وأما ما في هذا الكلام من الحق فهو أن الله سبحانه أقدر العبد على الفعل الذي أوجب الطبع والختم على قلبه، فلولا إقدار الله له على ذلك لم يفعله.
وهذا حق، لكن القدرية لم توفِ هذا الموضع حقه، وقالت: أقدره قدرة تصلح للضدين، فكان فعْل أحدهما باختياره ومشيئته التي لا تدخل تحت مقدور الرب، وإن دخلت قدرته الصالحة لهما تحت مقدوره سبحانه، فمشيئته واختياره وفعله غير واقع تحت مقدور الرب، وهذا من أبطل الباطل، فإن كل ما سواه مخلوق له، داخل تحت قدرته، واقع بمشيئته، فلو لم يشأه لم يكن.
(١) تقدم تخريجه في (٢٦٦).
(٢) من قوله: "ختم الله" إلى هنا ساقط من "م" انتقال نظر.