تضمنته وإنكاره، فازدادوا بذلك رِجْسًا، فنُسِب إليها؛ إذ كان نزولها ووصولها إليهم هو السبب في تلك الزيادة.
فأين هذا من نسبة الأفعال القبيحة عندكم التي لا تجوز نسبتها إلى الله عند دعوتهم إلى الإيمان وتدبر آياته؟!
على أن أفعالهم القبيحة لا تُنْسب إلى الله سبحانه، وإنما هي منسوبة إليهم، والمنسوب إليه سبحانه أفعاله الحسنة الجميلة، المتضمّنة للغايات المحمودة، والحكم المطلوبة، فالختم والطبع والقفل والإضلال أفعال حسنة من الله، وضَعها في أليق المواضع بها، إذ لا يليق بذلك المحل الخبيث غيرها. والشرك والكفر والمعاصي والظلم أفعالهم القبيحة التي لا تُنْسب إلى الله فعلًا، وإن نُسِبت إليه خلقًا، فخَلْقها غيرها، والخلق غير المخلوق، والفعل غير المفعول، والقضاء غير المقضي، والقدر غير المقدور، وستمر بك هذه المسألة مستوفاة ــ إن شاء الله ــ في باب: اجتماع الرضا بالقضاء١ وسخط الكفر والفسوق والعصيان، إن شاء الله٢.
قالت القدرية: لما بلغوا في الكفر إلى حيث لم يبق طريق إلى تحصيل الإيمان لهم إلا بالقسر والإلجاء، ولم تقتض حكمته تعالى أن يقسرهم على الإيمان؛ لئلا تزول حكمة التكليف= عبّر عن ترك الإلجاء والقسر بالختم والطبع؛ إعلامًا بأنهم انتهوا في الكفر والإعراض إلى حيث لا ينتهون عنه إلا بالقسر، وتلك الغاية في وصف لجاجهم وتماديهم في الكفر.
(١) "م": "بالقدر".
(٢) (٢/ ٣٧٠).
قال أهل السنة: هذا كلام باطل؛ فإنه سبحانه قادر على أن يخلق فيهم مشيئة الإيمان وإرادته ومحبته، فيؤمنون بغير قسر ولا إلجاء، بل إيمان اختيار وطاعة، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾[يونس: ٩٩]، وإيمان القسر والإلجاء لا يسمّى إيمانًا، ولهذا يؤمن الناس كلهم يوم القيامة، ولا يسمّى ذلك إيمانًا؛ لأنه عن إلجاء واضطرار.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾[السجدة: ١٣]، وما يحصل للنفوس من المعرفة والتصديق بطريق الإلجاء والاضطرار والقسر لا يسمّى هدى، وكذلك قوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾[الرعد: ٣١].
فقولكم: لم يبق طريق إلى إيمانهم إلا بالقسر: باطل؛ فإنه بقي إلى إيمانهم طريق لم يُرِهم الله إياه، وهو مشيئته وتوفيقه وإلهامه، وإمالة قلوبهم إلى الهدى، وإقامتها على الصراط المستقيم، وذلك أمر لا يعجز عنه ربّ كل شيء ومليكه، بل هو القادر عليه كقدرته على خلق ذواتهم وصفاتهم وذرّاتهم، ولكن منعهم ذلك لحكمته وعدله فيهم، وعدم استحقاقهم وأهليتهم لبذل ذلك لهم، كما منع السُّفْل خصائص العلو، ومنع الحار خصائص البارد، ومنع الخبيث خصائص الطيب.
ولا يقال: فلم فعل هذا؟ فإن ذلك من لوازم ملكه وربوبيته، ومن مقتضيات أسمائه وصفاته، وهل يليق بحكمته أن يسوّي بين الطيب والخبيث، والحسن والقبيح، والجيد والرديء؟ ومن لوازم الربوبية خلق الزوجين، وتنويع المخلوقات وأخلاقها.