الإيمان، بل يكون ذلك من جنس الغفلة والبلادة والعَشَا في البصر، فيورث ذلك إعراضًا عن الحق وتعاميًا عنه، ولو أنعم النظر، وتفكر وتدبر؛ لما آثر على الإيمان غيره.
وهذا الذي قالوه يجوز أن يكون في أول الأمر، فإذا تمكن واستحكم من القلب ورسخ فيه امتنع معه الإيمان، ومع هذا فهو أثر فعله وإعراضه وغفلته، وإيثار شهوته وكبره على الحق والهدى، فلما تمكّن فيه واستحكم صار صفة راسخة وطبعًا وختمًا وقفلًا ورانًا، فكان مبدؤه غير حائل بينهم وبين الإيمان، والإيمان ممكن معه، لو شاؤوا لآمنوا مع مبادئ تلك الموانع، فلما استحكمت لم يبق إلى الإيمان سبيل.
ونظير هذا أن العبد يستحسن ما يهواه فيميل إليه بعض الميل، ففي هذه الحال يمكن صرف دواعيه وعشقه له، إذ الأسباب لم تستحكم، فإذا استمر على ميله، واستدعى أسبابه، واستحكمت لم يمكنه صرف قلبه عن الهوى والمحبة، فيطبع على قلبه، ويختم عليه، فلا يبقى فيه محل لغير ما يهواه ويحبه، فكان الانصراف عن السعي مقدورًا له في أول الأمر، فلما تمكنت أسبابه لم يبق مقدورًا له، كما قال الشاعر:
تولّع بالعشق حتى عشقفلما استقل به لم يُطِقْ
رأى لُجّةً ظنّها موجةًفلما تمكّن منها غرق١
(١) من أربعة أبيات لأبي الحسين محمد بن المظفر بن نحرير البغدادي (٤٥٥ هـ) أسندها ابن الجوزي في "ذم الهوى" (٥٨٦)، وهي في ترجمته من "تاريخ الإسلام" (١٠/ ٦٥). وأوردها المؤلف في "الداء والدواء" (٤٩٨)، و"روضة المحبين" (٢٢٥)، و"الكلام على مسألة السماع" (٢٤٨).
فلو أنهم بادروا في مبدأ الأمر١ إلى مخالفة الأسباب الصادة عن الهدى لسهل عليهم، ولمَا استعصى عليهم، ولقدروا عليه.
ونظير ذلك: المبادرة إلى إزالة العلّة قبل استحكام أسبابها، ولزومها للبدن لزومًا لا ينفك منها، فإذا استحكمت العلة، وصارت كالجزء من البدن عزَّ على الطبيب استنقاذ العليل منها.
ونظير ذلك: المتوحِّل في حَمْأة، فإنه ما لم يدخل لجّتها فهو قادر على التخلص، فإذا توسط معظمها عَزّ عليه وعلى غيره إنقاذه.
فمبادئ الأمور مقدورة للعبد، فإذا استحكمت٢ أسبابها منه وتمكنت لم يبق الأمر مقدورًا له، فتأمل هذا الموضع حق التأمل، فإنه من أنفع الأشياء في باب القدر، والله الموفق للصواب.
والله سبحانه جاعل ذلك كله وخالقه فيهم بأسباب منهم، وتلك الأسباب قد تكون أمورًا عدمية يكفي فيها عدم مشيئة أضدادها، فلا يشاء سبحانه أن يخلق للعبد أسباب الهدى، فيبقى على العدم الأصلي. وإن أراد من عبده الهداية فهي لا تحصل حتى يريد من نفسه إعانته وتوفيقه، فإذا لم يرد سبحانه من نفسه٣ ذلك لم تحصل الهداية.