شفاء العليل

فلو أنهم بادروا في مبدأ الأمر١ إلى مخالفة الأسباب الصادة عن الهدى لسهل عليهم، ولمَا استعصى عليهم، ولقدروا عليه.

ونظير ذلك: المبادرة إلى إزالة العلّة قبل استحكام أسبابها، ولزومها للبدن لزومًا لا ينفك منها، فإذا استحكمت العلة، وصارت كالجزء من البدن عزَّ على الطبيب استنقاذ العليل منها.

ونظير ذلك: المتوحِّل في حَمْأة، فإنه ما لم يدخل لجّتها فهو قادر على التخلص، فإذا توسط معظمها عَزّ عليه وعلى غيره إنقاذه.

فمبادئ الأمور مقدورة للعبد، فإذا استحكمت٢ أسبابها منه وتمكنت لم يبق الأمر مقدورًا له، فتأمل هذا الموضع حق التأمل، فإنه من أنفع الأشياء في باب القدر، والله الموفق للصواب.

والله سبحانه جاعل ذلك كله وخالقه فيهم بأسباب منهم، وتلك الأسباب قد تكون أمورًا عدمية يكفي فيها عدم مشيئة أضدادها، فلا يشاء سبحانه أن يخلق للعبد أسباب الهدى، فيبقى على العدم الأصلي. وإن أراد من عبده الهداية فهي لا تحصل حتى يريد من نفسه إعانته وتوفيقه، فإذا لم يرد سبحانه من نفسه٣ ذلك لم تحصل الهداية.

  1. (١) "م": "أول الأمر".
  2. (٢) "د" "م": "تحكمت".
  3. (٣) "د": "عبده".
296

فصل

ومما ينبغي أن يعلم أنه لا يمتنع مع الطبع والختم والقفل حصول الإيمان، بأن يفك الذي خُتِم على القلب، وطُبِع عليه، وضُرِب عليه القفل ذلك الختم والطابع والقفل، ويهديه بعد ضلالته، ويعلمه بعد جهله، ويرشده بعد غَيِّه، ويفتح قفل قلبه بمفاتيح توفيقه التي هي بيده، حتى لو كتب على جبينه الشقاوة والكفر، لم يمتنع أن يمحوها، ويكتب عليه السعادة والإيمان.

وقرأ قارئ عند عمر بن الخطاب: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ﴾ [محمد: ٢٤]، وعنده شاب فقال: اللهم عليها أقفالها، ومفاتيحها بيدك، لا يفتحها سواك. فعرفها له عمر، وزادته عنده خيرًا١.

وكان عمر ﵁ يقول في دعائه: "اللهم إن كنت كتبتني شقيًا فامحني واكتبني سعيدًا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت"٢.

  1. (١) لم أقف عليه بهذا السياق.
    وأخرج اللالكائي في "أصول الاعتقاد" (٩٧٢)، والبيهقي في "القضاء والقدر" (٣٨٦) عن سهل بن سعد قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ﴾، وغلام جالس عند رسول الله ﷺ فقال: بلى والله يا رسول الله، إن عليها لأقفالها ولا يفتحها إلا الذي أقفلها. فلما ولي عمر طلبه ليستعمله، وقال: لم يقل ذلك إلا من عقل. وفي إسناده المقدام بن داود وذؤيب بن عمامة: ضعيفان كما في "الميزان" (٤/ ١٧٦)، وله شاهد من مرسل عروة أخرجه إسحاق كما في "إتحاف الخيرة" (٥٨٢١)، والطبري (٢١/ ٢١٧).
  2. (٢) أخرجه الطبري (١٣/ ٥٦٤)، وابن بطة في "الإبانة الكبرى" (١٥٦٥)، وأُثِر عن غير واحد من السلف نحوه.
297

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي