بالإيمان وبيَّنه له، وإنما فعله بعد تكرر الدعوة منه سبحانه، والتأكيد في البيان والإرشاد، وتكرر الإعراض منهم، والمبالغة في الكفر والعناد، فحينئذ يطبع على قلوبهم، ويختم عليها، فلا تقبل الهدى بعد ذلك، والإعراض والكفر الأول لم يكن مع ختمٍ وطبعٍ، بل كان اختيارًا، فلما تكرر منهم صار طبيعة وسجيّة.
فتأمل هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَانْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ٦ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾[البقرة: ٦ - ٧]، ومعلوم أن هذا ليس حكمًا يعم جميع الكفار، بل الذين آمنوا وصدقوا الرسول كان أكثرهم كفارًا قبل ذلك، ولم يختم على قلوبهم وأسماعهم.
فهذه الآيات في حق أقوام مخصوصين من الكفار، فعل الله بهم ذلك عقوبة منه لهم في الدنيا بهذا النوع من العقوبة العاجلة، كما عاقب بعضهم بالمسخ قردة وخنازير، وبعضهم بالطمس على أعينهم، فهو سبحانه يعاقب بالطمس على القلوب، كما يعاقب بالطمس على الأعين، وهو سبحانه قد يعاقب بالضلال عن الحق عقوبة دائمة مستمرة، وقد يعاقب به إلى وقت، ثم يعافي عبده ويهديه، كما يعاقب بالعذاب كذلك.
فصل
وههنا عدة أمور عاقب بها الكفار بمنعهم من الإيمان، وهي: الختم، والطبع، والأكنّة، والغطاء، والغلاف، والحجاب، والوَقْر، والغشاوة، والران، والغل، والسد، والقفل، والصمم، والبكم، والعمى، والصدّ، والصرف،
والشد على القلب، والضلال، والإغفال، والمرض، وتقليب الأفئدة، والحَوْل بين المرء وقلبه، وإزاغة القلوب، والخذلان، والإركاس، والتثبيط، والتزيين، وعدم إرادة هداهم وتطهيرهم، وإماتة١ قلوبهم بعدم خلق الحياة فيها، فتبقى على الموت الأصلي، وإمساك النور عنها فتبقى في الظلمة الأصلية، وجعل القلب قاسيًا لا ينطبع فيه مثال الهدى وصورته، وجعل الصدر ضيّقًا حرجًا لا يقبل الإيمان.
وهذه الأمور منها ما يرجع إلى القلب، كالختم والطبع والقفل والأكنّة والإغفال والمرض ونحوها، وما يرجع إلى رسوله الموصِل إليه الهدى كالصمم والوَقْر، ومنها ما يرجع إلى طليعته ورائده كالعمى والغشاء٢، ومنها ما يرجع إلى ترجمانه ورسوله المبلغ عنه كالبَكَم النطقي، وهو نتيجة البَكَم القلبي، فإذا بَكَم القلب بَكَم اللسان.
ولا تصغ إلى قول من يقول: إن هذه مجازات واستعارات، فإنه قال بحسب مبلغه من العلم والفهم عن الله ورسوله، وكأن هذا القائل حقيقة القفل عنده أن يكون من حديد، والختم أن يكون بشمع أو طين، والمرض أن يكون حمّى بنافض أو قَوْلَنْجًا٣ أو غيرهما من أمراض البدن، والموت هو مفارقة الروح للبدن ليس إلا، والعمى ذهاب ضوء العين الذي تبصر به.
وهذه الفرقة من أغلظ الناس حجابًا؛ فإن هذه الأمور إذا أضيفت إلى
(١) "م": "وإمالة".
(٢) من قوله: "ومنها ما يرجع" إلى هنا ساقط من "د".
(٣) مرض معوي مؤلم يصعب معه خروج البراز والريح، وسببه التهاب القولون، وفي ضبطه عدة أوجه، انظر: "محيط المحيط" (٧٦٣)، "المعجم الوسيط" (٢/ ٧٦٧).