وهذا كقوله ﷺ: "إنما الربا في النسيئة"١، وقوله: "إنما الماء من الماء"٢، وقوله: "ليس الغنى عن كثرة العَرَض، إنما الغنى غنى النفس"٣، وقوله: "ليس المسكين الطوّاف الذي تردّه اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، إنما المسكين الذي لا يجد ما يغنيه، ولا يُفْطَن له فيُتصدّق عليه"٤، وقوله: "ليس الشديد بالصُّرَعَة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"٥، ولم يرد نفي الاسم عن هذه المسميات، إنما أراد أن هؤلاء أولى بهذه الأسماء وأحق ممن يسمونه بها، فهكذا قوله: ﴿تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ٤٦﴾، وقريب من هذا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ اَلْبِرُّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية [البقرة: ١٧٧]، وعلى التقديرين فقد أثبت للقلب عمى حقيقة، وهكذا جميع ما نُسِب إليه.
ولما كان القلب ملك الأعضاء وهي جنوده، وهو الذي يحركها ويستعملها، والإرادة والقوى والحركة الاختيارية منه تنبعث؛ كانت هذه الأشياء له أصلًا، وللأعضاء٦ تبعًا، فلنذكر هذه الأمور مفصلة ومواقعها في
(١) أخرجه البخاري (٢١٧٨)، ومسلم (١٥٩٦) - واللفظ له - من حديث أسامة بن زيد.
(٢) أخرجه البخاري (١٨٠)، ومسلم (٣٤٣) - واللفظ له - من حديث أبي سعيد الخدري.
(٣) أخرجه البخاري (٦٤٤٦)، ومسلم (١٠٥١) من حديث أبي هريرة.
(٤) أخرجه البخاري (١٤٧٩)، ومسلم (١٠٣٩) من حديث أبي هريرة.
(٥) أخرجه البخاري (٦١١٤)، ومسلم (٢٦٠٩) من حديث أبي هريرة.
(٦) "د" و"م": "والأعضاء".
القرآن.
فقد تقدم الختم، قال الأزهري: "وأصله التغطية، وخَتَمَ البذرَ في الأرض إذا غَطَّاه"١.
وقال أبو إسحاق: "معنى: خَتَم وطَبَعَ في اللغة واحد، وهو: التغطية على الشيء والاستيثاق منه، فلا يدخله شيء، كما قال تعالى: ﴿الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ﴾[محمد: ٢٤]، وكذلك قوله: ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾[محمد: ١٦] "٢.
قلت: الختم والطبع يشتركان فيما ذُكِر، ويفترقان في معنى آخر، وهو: أن الطبع ختم يصير سجية وطبيعة، فهو تأثير لازم لا يفارق.
وأما الأكنّة ففي قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾[الإسراء: ٤٦]، وهي جمع كِنَان، كعِنَان وأعِنّة، وأصله من الستر والتغطية، ويقال: كَنّهُ وأكنّهُ، وليسا بمعنى واحد، بل بينهما فرق، فأكنّهُ إذا ستره وأخفاه، كقوله تعالى: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾[البقرة: ٢٣٥]، وكَنّهُ إذا صانه وحفظه، كقوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ﴾[الصافات: ٤٩]، ويشتركان في الستر، والكِنَان ما أكنَّ الشيء وسَتَره، وهو كالغلاف، وقد أقرّوا على أنفسهم بذلك فقالوا: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾[فصلت: ٥]، فذكروا غطاء القلب وهي الأكنّة، وغطاء الأذن وهو الوَقْر، وغطاء العين وهو الحجاب، والمعنى: لا نفقه كلامك، ولا نسمعه، ولا نراك، والمعنى: إنا في ترك القبول منك بمنزلة من لا يفقه ما تقول، ولا يسمعه، ولا يراك.