شفاء العليل

قيل: وجه الإضراب في غاية الظهور، وهو أنهم احتجوا بأن الله لم يفتح لهم الطريق إلى فهم ما جاء به الرسول ومعرفته، بل جعل قلوبهم داخلة في غُلْف فلا تفقهه، فكيف تقوم به عليهم الحجة، وكأنهم ادعوا أن قلوبهم١ خلقت في غُلْف، فهم معذورون في عدم الإيمان، فأكذبهم الله سبحانه وقال: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]، وقال في الآية الأخرى: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨].

فأخبر سبحانه أن الطبع والإبعاد عن توفيقه وفضله إنما كان بكفرهم الذي اختاروه لأنفسهم، وآثروه على الإيمان، فعاقبهم عليه بالطبع واللعنة، والمعنى: لم نخلق قلوبهم غلفًا لا تعي ولا تفقه ثم نأمرهم بالإيمان وهم لا يفهمونه ولا يفقهونه، بل اكتسبوا أعمالًا عاقبناهم عليها بالطبع على القلوب والختم عليها.

فصل

وأما الحجاب ففي قوله تعالى حكاية عنهم: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥]، وقوله: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥]، على أصح القولين، والمعنى: جعلنا بين القرآن ــ إذا قرأته ــ وبينهم حجاب٢، يحول بينهم وبين فهمه وتدبره والإيمان به، ويبينه قوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥]، وهذه الثلاثة هي الثلاثة المذكورة في قوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا

  1. (١) من قوله: "داخلة" إلى هنا ساقط من "د".
  2. (٢) كذا في الأصول: "حجاب" دون تنوين، والوجه النصب على المفعولية.
307

إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥]، فأخبر سبحانه أن ذلك جَعْله، فالحجاب يمنع عن رؤية الحق، والأكنّة تمنع من فهمه، والوَقْر يمنع من سماعه.

وقال الكلبي: "الحجاب ههنا مانع يمنعهم عن الوصول إلى رسول الله ﷺ بالأذى من الرعب ونحوه مما يصدهم عن الإقدام عليه"١.

ووصفه بكونه مستورًا، فقيل: بمعنى ساتر، وقيل: على النسب، أي: ذو ستر، والصحيح: أنه على بابه، أي: مستورًا عن الأبصار فلا يُرى، ومجيء مفعول بمعنى فاعل لا يثبت، والنسب في مفعول لم يُشتق من فعله، كمكان مهول، أي: ذي هول، ورجل مرطوب، أي: ذي رطوبة، فأما مفعول فهو جار على فعله، فهو الذي وقع عليه الفعل، كمضروب ومجروح ومستور٢.

فصل

وأما الران فقد قال تعالى: ﴿كَلَّا بَل رَّانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]، قال أبو عبيدة: "غلب عليها، والخمر تَرِين على عقل السكران، والموت يَرِين على الميت فيذهب به"٣.

ومن هذا حديث أُسَيْفِع جهينة، وقول عمر: "فأصبح قد رِينَ به"٤، أي غلب عليه، وأحاط به الرَّيْن.

  1. (١) لم أقف عليه.
  2. (٢) انظر: "البسيط" (١٣/ ٣٤٨).
  3. (٣) "مجاز القرآن" (٢/ ٢٨٩).
  4. (٤) أخرجه مالك (٢/ ٧٧٠)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (١١/ ٧١).
308

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي