شفاء العليل

وفي "سنن النسائي" و"الترمذي"١، من حديث أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة نُكِت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب صُقِل قلبه، وإن عاد زِيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكره الله: ﴿كَلَّا بَل رَّانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ " قال الترمذي: "هذا حديث صحيح".

وقال عبد الله بن مسعود: "كلما أذنب، نُكِت في قلبه نكته سوداء، حتى يَسْوَدّ القلب كله"٢.

فأخبر سبحانه أن ذنوبهم التي كسبوها أوجبت لهم رَيْنًا على قلوبهم، فكان سبب الران منهم، وهو خلق الله فيهم، فهو خالق السبب ومسبَّبه، لكن السبب باختيار العبد، والمسبَّب خارج عن قدرته واختياره.

فصل

وأما الغل فقال تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ٧ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهْيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ ٨ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سُدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سُدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٧ - ٩]، قال الفراء: "حبسناهم عن الإنفاق في سبيل الله"٣.

  1. (١) النسائي في "الكبرى" (١٠١٧٩)، والترمذي (٣٣٣٤)، وأخرجه أحمد (٧٩٥٢)، وابن ماجه (٤٢٤٤).
  2. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٠٩٥٨)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٦٨٠٩).
  3. (٣) "معاني القرآن" (٢/ ٣٧٣).
310

وقال أبو عبيدة: "منعناهم عن الإيمان بموانع"١.

ولما كان الغل مانعًا للمغلول من التصرف والتقلب كان الغل الذي على القلب مانعًا من الإيمان.

فإن قيل: فالغل المانع من الإيمان هو الذي في القلب، فكيف ذكر الغل الذي في العنق؟

قيل: لما كان عادة الغل أن يوضع في العنق ناسب ذكره ذكر محله، والمراد به القلب، كقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣].

ومن هذا قولهم: إثمي في عنقك، وهذا في عنقك.

ومن هذا قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩]، شبّه الإمساك عن الإنفاق باليد إذا غُلّت إلى العنق.

ومن هذا قال الفراء: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾: "حبسناهم عن الإنفاق".

قال أبو إسحاق: "وإنما يقال للشيء اللازم: هذا في عنق فلان، أي: لزومه له كلزوم القلادة من بين ما يلبس في العنق"٢.

قال أبو علي: "هذا مثل قولهم: طوّقتك كذا وقلَّدتك كذا، ومنه قلّده السلطان كذا، أي: صارت الولاية في لزومها له في موضع القلادة ومكان

  1. (١) نسبه إليه في "البسيط" (١٨/ ٤٥٥).
  2. (٢) "معاني القرآن وإعرابه" (٣/ ٢٣٠) بتصرف.
311

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي