وقالت طائفة: الضمير يرجع إلى الأغلال، وهذا هو الظاهر، وقوله: ﴿فَهْيَ إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ أي: واصلة ومَلْزُوزة إليها١، فهو غلّ عريض قد أحاط بالعنق حتى وصل إلى الذقن.
وقوله: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ قال الفراء والزجاج: "المُقْمَح هو الغاضّ بصره بعد رفع رأسه"٢.
ومعنى الإقماح في اللغة: رفع الرأس وغض البصر، يقال: أقمح البعير رأسه، وقمح.
وقال الأصمعي: "بعير قامح إذا رفع رأسه عن الحوض، ولم يشرب"٣.
قال الأزهري: "لما غُلّت أيديهم إلى أعناقهم رَفَعتِ الأغلالُ أذقانَهم ورؤوسهم صعدًا، كالإبل الرافعة رؤوسها"٤، انتهى.
فإن قيل: فما وجه التشبيه بين هذا وبين حبس القلب عن الهدى والإيمان؟
قيل: أحسن وجه وأبينه؛ فإن الغلّ إذا كان في العنق واليد مجموعة إليها مَنَع اليد عن التصرف والبطش، فإذا كان عريضًا قد ملأ العنق ووصل إلى الذقن مَنَع الرأس من تصويبه، وجعل صاحبه شاخص الرأس منتصبه لا
(١) من لزّ الشيء إذا شدّه وألصقه إليه، "الصحاح" (٣/ ٨٩٤).
ثم أكد هذا المنع والحبس بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سُدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سُدًّا﴾[يس: ٩]، قال ابن عباس: "منعهم من الهدى لما سبق في علمه"١.
والسد الذي جُعِل من بين أيديهم ومن خلفهم هو الذي سدّ عليهم طريق الهدى، فأخبر سبحانه عن الموانع التي منعهم بها من الإيمان عقوبة لهم، ومثّلها أحسن تمثيل وأبلغه، وذلك حال قوم قد وُضِعت الأغلال العريضة الواصلة إلى الأذقان في أعناقهم، وضُمّت أيديهم إليها، وجُعِلوا بين سدين لا يستطيعون النفوذ من بينهما، وأغشيت أبصارهم فهم لا يرون شيئًا.
وإذا تأملت حال الكافر الذي عرف الحق وتبين له، ثم جحده وكفر به وعاداه أعظم معاداة؛ وجدت هذا المثل مطابقًا له أتم مطابقة، وأنه قد حيل بينه وبين الإيمان، كما حيل بين هذا وبين التصرف، والله المستعان.
فصل
وأما القفل، فقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ﴾[محمد: ٢٤]، قال ابن عباس: "يريد على قلوب هؤلاء أقفال"٢.
وقال مقاتل: "يعني الطبع على القلب"٣.
فكأن القلب بمنزلة الباب المُرْتَج الذي قد ضُرِب عليه قفل، فإنه ما لم