شفاء العليل

المعنى سمّي رجيعًا، والرَّكْس والنَّكْس والمركوس١ والمنكوس بمعنى واحد.

قال الزَّجّاج: "أركسهم: نكّسهم وردهم"٢.

والمعنى: أنه ردهم إلى حكم الكفار من الذلّ والصغار، وأخبر سبحانه عن حكمه وقضائه فيهم وعدله، وأن إركاسهم كان بسبب كسبهم وأعمالهم، كما قال: ﴿كَلَّا بَل رَّانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤].

فهذا توحيده وهذا عدله، لا ما تقوله القدرية المعطلة أن التوحيد إنكار الصفات، والعدل التكذيب بالقدر.

فصل

وأما التثبيط، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦]، والتثبيط ردّ الإنسان عن الشيء الذي يفعله.

قال ابن عباس: "يريد خذلهم وكسّلهم عن الخروج"٣.

وقال في رواية أخرى: "حَبَسهم"٤.

قال مقاتل: "وأوحى إلى قلوبهم: اقعدوا مع القاعدين"٥.

  1. (١) من قوله: "لأنه رد" إلى هنا ساقط من "م".
  2. (٢) "معاني القرآن" (٢/ ٨٨).
  3. (٣) نسبه إليه في "البسيط" (١٠/ ٤٦٢).
  4. (٤) أخرجها ابن أبي حاتم في "التفسير" (١٠٠٨٧).
  5. (٥) بمعناه في "تفسير مقاتل" (٢/ ١٧٣).
334

وقد بَيَّن سبحانه حكمته في هذا التثبيط والخذلان قبل وبعد، فقال: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ - يعني: في التخلف عنك - ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ٤٥ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٥ - ٤٦].

فلما تركوا الإيمان به وبلقائه وارتابوا بما لا ريب فيه، ولم يريدوا الخروج في طاعته، ولم يستعدوا له، ولا أخذوا أهبة ذلك؛ كره سبحانه انبعاث من هذا شأنه؛ فإن من لم يرفع به وبرسوله وكتابه رأسًا، ولم يقبل هديته التي أهداها إليه على يد أحب خلقه إليه وأكرمهم عليه، ولم يعرف قدر هذه النعمة ولا شكرها، بل بدّلها كفرًا؛ فإن طاعة هذا وخروجه مع رسوله يكرهها الله سبحانه، فثبّطه لئلا يقع ما يكره من خروجه، وأوحى إلى قلبه قدرًا وكونًا أن يقعد مع القاعدين.

ثم أخبر سبحانه عن الحكمة التي تتعلق بالمؤمنين في تثبيط هؤلاء عنهم، فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة: ٤٧]، والخبال: الفساد والاضطراب، فلو خرجوا مع المؤمنين لأفسدوا عليهم أمرهم، وأوقعوا بينهم الاضطراب والاختلاف.

قال ابن عباس: "ما زادوكم إلا خبالًا: عجزًا وجبنًا"١.

يعني: يجبنونهم عن لقاء العدو بتهويل أمرهم عليهم وتعظيمهم في صدورهم.

  1. (١) حكاه عنه في "البسيط" (١٠/ ٤٦٥).
335

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي