قال البخاري: وحدثني إسماعيل، قال: حدثني مالك، عن زياد بن سعد، عن عمرو بن مسلم، عن طاووس قال: "أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس"٢.
ورواه مسلم في "صحيحه"٣ عن طاووس، وقال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ: "كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس"٤.
قال البخاري: وقال ليث: عن طاووس، عن ابن عباس: " ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾[القمر: ٤٩] حتى العجز والكيس".
قال البخاري: سمعت عبيد الله بن سعيد يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: "أفعال العباد مخلوقة".
قال البخاري: "حركاتهم وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة"٥.
وقال جابر بن عبد الله: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور،
(١) "خلق أفعال العباد" (٢/ ٦٩)، وأخرجه الفريابي في "القدر" (٢٠٦) وغيره من حديث ابن عباس.
(٢) "خلق أفعال العباد" (٢/ ٦٨) إلا أنه في مطبوعته حتى قول طاووس: "كل شيء بقدر"، وما بعده كسياق مسلم الآتي، وهو بمثل سياق المؤلف في "الإبانة الكبرى" (١٦٦٣).
(٣) (٢٦٥٥).
(٤) من قوله: "ورواه مسلم" إلى هنا ساقط من "م".
(٥) "خلق أفعال العباد" (٢/ ٧٠).
كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: "إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فيسّره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضِّني به"، قال: "ويسمي حاجته"، قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"١.
فقوله: "إذا هَمَّ أحدُكم بالأمر" صريحٌ في أنه الفعل الاختياري المتعلق بإرادة العبد.
وإذا عُلِم ذلك، فقوله: "أستقدرك بقدرتك" أي: أسألك أن تقدرني على فعله بقدرتك، ومعلوم أنه لم يسأل القدرة المُصَحِّحة التي هي سلامة الأعضاء وصحة البِنْيَة، وإنما سأل القدرة التي توجب الفعل، فعلم أنها مقدورة لله ومخلوقة له، وأكد ذلك بقوله: "فإنك تقدر ولا أقدر" أي: تقدر أن تجعلني قادرًا فاعلًا، ولا أقدر أجعل نفسي كذلك.
وكذلك قوله: "تعلم ولا أعلم" أي: حقيقة العلم بعواقب الأمور، ومآلها والنافع منها والضار عندك، وليس عندي.
وقوله: "يسّره لي، أو اصرفه عني" فإنه طَلَبَ من الله تيسيره إن كان له فيه