شفاء العليل

وكان ﷺ يقول في سجوده - أقرب ما يكون من ربه ـ: "أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك"١.

وقال لأطوع نساء الأمة وأفضلهن وخيرهن: الصديقة بنت الصديق، وقد قالت له: يا رسول الله، إن وافقت ليلة القدر فما أدعو به؟ قال: "قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو، فاعفُ عني"٢، قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".

وهو سبحانه لمحبته للعفو وللتوبة خلق خلقه على صفات وهيئات وأحوال تقتضي توبتهم إليه واستغفارهم، وعفوه ومغفرته٣، وقد روى مسلم في "صحيحه"٤ من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم".

والله تعالى يحب التوابين، والتوبة من أحب الطاعات إليه، ويكفي في محبتها شدة فرحه بها سبحانه كما في "صحيح مسلم"٥ عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "قال الله ﷿: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين

  1. (١) أخرجه مسلم (٤٨٦) بنحوه من حديث عائشة.
  2. (٢) أخرجه أحمد (٢٥٣٨٤)، والترمذي (٣٥١٣)، والنسائي في "الكبرى" (١٠٧٠٨)، وابن ماجه (٣٨٥٠).
  3. (٣) "ط": "وطلبهم عفوه ومغفرته".
  4. (٤) برقم (٢٧٤٩).
  5. (٥) برقم (٢٦٧٥).
378

يذكرني، والله، للهُ أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في الفلاة".

وفي "الصحيحين"١ من حديث عبد الله بن مسعود، عن رسول الله ﷺ: "لله أشد فرحًا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دَوِّيّة مَهْلكة، معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فنام، فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: أرجع إلى المكان الذي كنت فيه، فأنام حتى أموت. فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته، عليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحًا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده".

وفي "صحيح مسلم"٢ عن النعمان بن بشير يرفعه إلى النبي ﷺ قال: "لله أشد فرحًا بتوبة عبده من رجل حمل زاده ومزاده على بعير، ثم سار حتى كان بفلاة من الأرض، فأدركته القائلة، فنزل فقال تحت شجرة، فغلبته عينه، وانسلَّ بعيره، فاستيقظ فسعى شَرَفًا٣ فلم يرَ شيئًا، ثم سعى شَرَفًا ثانيًا، فلم يرَ شيئًا، ثم سعى شَرَفًا ثالثًا، فلم يرَ شيئًا، فأقبل حتى أتى مكانها الذي قال فيه، فبينا هو قاعد فيه، إذ جاء بعيره يمشي حتى وضع خطامه في يده، فالله أشد فرحًا بتوبة العبد من هذا حين وجد بعيره على حاله".

فتأمل محبته سبحانه لهذه الطاعة التي هي أصل الطاعات وأساسها، وإن من زعم أن أحدًا من الناس يستغني عنها ولا حاجة به إليها فقد جهل حق الربوبية، ومرتبة العبودية، وينتقص بمن أغناه بزعمه عن التوبة من حيث

  1. (١) البخاري (٦٣٠٨)، ومسلم (٢٧٤٤).
  2. (٢) برقم (٢٧٤٥).
  3. (٣) الشرف: المكان المرتفع من الأرض، أو مقدار من المسافة نحو شوط الخيل، أو الميل، واستظهر القاضي أولهما، "إكمال المعلم" (٨/ ٢٤٥).
379

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي