شفاء العليل

أنت الغفور الرحيم"١، فاستفتح الخبر عن نفسه بأداة التوكيد التي تقتضي تقرير ما بعدها، ثم ثنّى بالإخبار عن ظلمه لنفسه، ثم وصف ذلك الظلم بأنه ظلم كثير، ثم طلب من ربه أن يغفر له مغفرة من عنده، أي لا يبلغها عمله ولا سعيه، بل هي محض منّته وإحسانه، وأكبر من عمله، فإذا كان هذا شأن مَنْ وُزِن بالأمة فرجح بهم؛ فكيف بمن دونه؟!

وأيضًا فإنّ حق الله على عبده أن يطيعه ولا يعصيه، ويذكره ولا ينساه، ويشكره ولا يكفره، فتكون هذه حاله دائمًا لا يفتر عنها، ولا يفارقها طرفة عين، ولا نفَسًا واحدًا، ومعلوم أن الغفلة والذهول والاشتغال أحيانًا بغير ذلك واقع ولا بدّ، وهو سبب التعذيب الذي هو الألم، وليس في الحديث أنه لو عذبهم في النار سرمدًا أبدًا لكان غير ظالم لهم، والأعمّ لا يستلزم الأخص، بل لو آلم من غفل عن ذكره وشكره وعبادته، وأوصل إليه عذابًا بحسبه لكان غير ظالم له.

وعلى كل حال فكمال حقوقه على أهل السماوات والأرض يستلزم وجوب كمال عبوديته التي تقتضيها عظمة المنعم وكثرة نعمه ودوامها، وذلك غير مقدور، والمقدور منه لابد أن يعرض فيه من النقص ما يناسب نقص المخلوق، فلا يسعه إلا المغفرة والرحمة.

  1. (١) أخرجه البخاري (٨٣٤)، ومسلم (٢٧٠٥) من حديث أبي بكر الصديق.
390

الباب السابع عشر

في الكَسْب والجَبْر ومعناهما لغة واصطلاحًا، وإطلاقهما نفيًا وإثباتًا، وما دلّ عليه السمع والعقل من ذلك

أما الكَسْب فأصله في اللغة: الجَمْع، قاله الجوهري، قال: "وهو طلب الرزق، يقال: كسبتُ شيئًا واكتسبتُه بمعنى، وكسبتُ أهلي خيرًا، وكسبتُ الرجلَ مالًا فكَسَبَه، وهذا مما جاء على فَعَلْتُه فَفَعَل، والكواسب: الجوارح، وتكسَّب: تكلَّفَ الكَسْب"١، انتهى.

والكسب قد وقع في القرآن على ثلاثة أوجه:

أحدها: عقد القلب وعزمه، كقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، أي: بما عزمتُم عليه وقصدتموه، وقال الزَّجّاج: "أي: يؤاخذكم بعزمكم على أن لا تبروا، وأن لا تتقوا، وأن تعتلّوا في ذلك بأنكم حلفتم"٢، وكأنه التفت إلى لفظ المؤاخذة، وأنها تقتضي تعذيبًا، فجعل كسب قلوبهم عزمهم على ترك البرّ والتقوى لمكان اليمين٣.

والقول الأول أصح، وهو قول جمهور أهل التفسير؛ فإنه قابل به لغو اليمين، وهو أن لا يقصد اليمين، فكَسْب القلب المقابل للغو اليمين هو

  1. (١) "الصحاح" (١/ ٢١٢).
  2. (٢) "معاني القرآن وإعرابه" (١/ ٢٩٩).
  3. (٣) "د": "النهي".
391

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي