شفاء العليل

عقده وعزمه، كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، فتعقيد الأيمان هو كسب القلب.

الوجه الثاني من الكَسْب: كسب المال من التجارة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، فالأول للتجار، والثاني للزُرّاع.

والوجه الثالث من الكَسْب: السعي والعمل، كقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٩]، وقوله: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: ٧٠]، وقوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، فهذا كله للعمل.

واختلف الناس في الكَسْب والاكتساب: هل هما بمعنى واحد، أم بينهما فرق؟

فقالت طائفة: معناهما واحد، قال أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي: "وهو الصحيح عند أهل اللغة، ولا فرق بينهما"١.

قال ذو الرُّمّة:

ألفى أباه بذاك الكَسْب يكتسب٢

  1. (١) "البسيط" (٤/ ٥٣٣).
  2. (٢) "الديوان" بشرح الباهلي (١/ ٩٩)، وصدر البيت:
    ومُطْعَم الصيد هبّالٌ لبغيته
392

وقال آخرون: الاكتساب أخص من الكَسْب؛ لأن الكَسْب ينقسم إلى كسبه لنفسه ولغيره، ولا يقال: يكتسب أهله.

قال الحُطَيئة:

ألقيتَ كاسبهم في قعرِ مُظْلِمَةٍفاغفر هداك مليك الناس يا عمر١

قلت: والاكتساب افتعال، وهو يستدعي اهتمامًا وتعمّلًا واجتهادًا، وأما الكَسْب فتصح نسبته بأدنى شيء، ففي جانب الفضل جعل لها ما لها فيه أدنى سعي، وفي جانب العدل لم يجعل عليها إلا ما لها فيه اجتهاد واهتمام.

وأما الجَبْر فيرجع في اللغة إلى ثلاثة أصول:

أحدها: أن تُغني الرجلَ من فقر، أو تجبر عظمه من كسر، وهذا من الإصلاح٢، وهذا الأصل يستعمل لازمًا ومتعدّيًا، تقول: جَبَرْتُ العَظْمَ، وجَبَرَ العظمُ، وقد جمع العَجّاج بينهما في قوله:

قد جَبَرَ الدّينَ الإلهُ فَجَبَرْ٣

الأصل الثاني: الإكراه والقهر، وأكثر ما يستعمل هذا على أفعَلَ، يقال: أجبرته على كذا، إذا أكرهته عليه، ولا يكاد يجيء: جبرته عليه؛ إلا قليلًا.

  1. (١) "ديوان الحطيئة" برواية ابن السكيت وشرحه (١٩٢)، وفيه:
    غيّبت كاسبهم ............. ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر
    واللفظ الذي ساقه المؤلف في "البسيط" للواحدي (٤/ ٥٣٤).
  2. (٢) "د": "الاصطلاح".
  3. (٣) "الديوان" (٢٠١)، من رجز في مدح عمر بن عبيد الله، وانظر: "الصحاح" (٢/ ٦٠٧).
393

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي