اسم الخالق، فالجبّار من أوصافه يرجع إلى كمال القدرة والعزة والمُلْك، ولهذا كان من أسمائه الحسنى.
وأما المخلوق فاتصافه بالجبّار ذمٌّ له ونقص، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾[غافر: ٣٥].
وقال لرسوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾[ق: ٤٥]، أي: مُسلَّط١ تقهرهم وتكرههم على الإيمان.
وفي الترمذي وغيره٢ عن النبي ﷺ: "يُحشر الجبّارون والمتكبرون يوم القيامة أمثال الذرّ يطؤهم الناس".
فصل٣
إذا عُرِف هذا فلفظ الكَسْب تطلقه القدرية على معنى، والجبرية على معنى، وأهل السنة والحديث على معنى.
فكَسْب القدرية هو وقوع الفعل عندهم بإيجاد العبد وإحداثه ومشيئته، من غير أن يكون الله شاءه أو أوجده.
وكَسْب الجبرية لفظ لا معنى له، ولا حاصل تحته، وقد اختلفت
(١) "م": "مغلظ".
(٢) الترمذي (٢٤٩٢)، وأحمد (٦٦٧٧)، والنسائي في "الكبرى" (١١٨٢٧) من حديث عبد الله بن عمرو بلفظ: "يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر" الحديث، وحسّن إسناده الترمذي، ولفظ المؤلف أخرجه ابن أبي الدنيا في "التواضع والخمول" (٢٢٤) من حديث أبي هريرة، وحسّن إسناده العراقي في "تخريج الإحياء" (١٢٥١).
عباراتهم فيه، وضربوا له الأمثال، وأطالوا فيه المقال.
فقال القاضي: "الكَسْب ما وُجِد وعليه قدرة مُحْدَثة"١.
وقيل: إنه المتعلِّق بالقادر على غير جهة الحدوث.
وقيل: إنه المقدور بالقدرة الحادثة٢.
قالوا: ولسنا نريد بقولنا: "ما وُجِد وعليه قدرة مُحْدَثة" أنها قدرة على وجوده؛ فإن القادر على وجوده هو الله وحده، وإنما نعني بذلك أن للكسب تعلّقًا بالقدرة الحادثة، لا من باب الحدوث والوجود.
وقال الإسفراييني: "حقيقة الخلق من الخالق وقوعه بقدرته من حيث صحَّ انفراده به، وحقيقة الفعل وقوعه بقدرته، وحقيقة الكَسْب من المُكتسِب وقوعه بقدرته مع انفراده به٣، ويختص القديم تعالى بالخلق، ويشترك القديم والمُحدَث في الفعل، ويختص المُحدَث بالكسب"٤.
قلت: مراده أن إطلاق لفظ الخلق لا يجوز إلا على الله وحده، وإطلاق لفظ الكَسْب يختص بالمُحدَث، وإطلاق لفظ الفعل يصحّ على الربّ والعبد.
(١) نقله في "شرح الإرشاد" (ق ١٦١/أ)، وفيه: "قدرة حادثة"، والقاضي هو ابن الباقلاني، وانظر: "المعتمد في أصول الدين" (١٢٨).