شفاء العليل

عباراتهم فيه، وضربوا له الأمثال، وأطالوا فيه المقال.

فقال القاضي: "الكَسْب ما وُجِد وعليه قدرة مُحْدَثة"١.

وقيل: إنه المتعلِّق بالقادر على غير جهة الحدوث.

وقيل: إنه المقدور بالقدرة الحادثة٢.

قالوا: ولسنا نريد بقولنا: "ما وُجِد وعليه قدرة مُحْدَثة" أنها قدرة على وجوده؛ فإن القادر على وجوده هو الله وحده، وإنما نعني بذلك أن للكسب تعلّقًا بالقدرة الحادثة، لا من باب الحدوث والوجود.

وقال الإسفراييني: "حقيقة الخلق من الخالق وقوعه بقدرته من حيث صحَّ انفراده به، وحقيقة الفعل وقوعه بقدرته، وحقيقة الكَسْب من المُكتسِب وقوعه بقدرته مع انفراده به٣، ويختص القديم تعالى بالخلق، ويشترك القديم والمُحدَث في الفعل، ويختص المُحدَث بالكسب"٤.

قلت: مراده أن إطلاق لفظ الخلق لا يجوز إلا على الله وحده، وإطلاق لفظ الكَسْب يختص بالمُحدَث، وإطلاق لفظ الفعل يصحّ على الربّ والعبد.

  1. (١) نقله في "شرح الإرشاد" (ق ١٦١/أ)، وفيه: "قدرة حادثة"، والقاضي هو ابن الباقلاني، وانظر: "المعتمد في أصول الدين" (١٢٨).
  2. (٢) انظر: "شرح الإرشاد" (ق ١٦١/أ)، "نهاية الإقدام" (٧١).
  3. (٣) كذا في الأصول الخطية ومصدر المؤلف: "مع انفراده به"، وفي "نهاية الإقدام" (٧٢): "مع تعذّر انفراده به"، وهو الصواب.
  4. (٤) حكاه في "شرح الإرشاد" (ق ١٦١/أ)، و"نهاية الإقدام" (٧٢).
398

وقال أيضًا: "كل فعل يقع على التعاون كان كسبًا من المستعين"١.

قلت: يريد أن الخالق يستقل بالخلق والإيجاد، والكاسب إنما يقع منه الفعل على جهة المعاونة والمشاركة منه ومن غيره، لا يمكنه أن يستقل بإيجاد شيء البتّة.

وقال آخرون: قدرة المُكتسِب تتعلق بمقدوره على وجه ما، وقدرة الخالق تتعلق به من جميع الوجوه.

قالوا: وليس كون الفعل كسبًا من حقائقه التي تختصه، بل هو معنى طرأ عليه، كما يقول منازعونا من المعتزلة: إن هذه الحركة لُطْف، وهذا الفعل لُطْف، وصيغة "افعل" تصير أمرًا بالإرادة، لا أنها حدثت بالإرادة، واعتقاد الشيء على ما هو به يصير علمًا بسكون النفس إليه، لا أنه يحدث كذلك به، والأشياء قد تقترن في الوجود فتتغير أوصافها وأحكامها.

قالوا: فالحركة إذا صادفت المتحرِّك بها على وجه مخصوص تسمّى سباحة مثلًا، ولَطمًا، ومشيًا، ورقصًا.

وقال الأشعري وابن الباقلاني: الواقع بالقدرة الحادثة هو كون الفعل كسبًا، دون كونه موجودًا، أو مُحْدَثًا، فكونه كسبًا وصف للوجود بمثابة كونه معلومًا٢.

ولخّص بعضُ متأخريهم هذه العبارات بأن قال: الكَسْب عبارة عن

  1. (١) نقله في "شرح الإرشاد" (ق ١٦١/أ)، و"نهاية الإقدام" (٧٢).
  2. (٢) بتصرف من "شرح الإرشاد" (ق ١٦١/أ)، وانظر: "مقالات الإسلاميين" (٥٤٢)، "التمهيد" (٢٨٦)، "الإنصاف" (٤٣)، "المطالب العالية" (٩/ ٩ - ١٠).
399

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي