شفاء العليل

وقال أيضًا: "كل فعل يقع على التعاون كان كسبًا من المستعين"١.

قلت: يريد أن الخالق يستقل بالخلق والإيجاد، والكاسب إنما يقع منه الفعل على جهة المعاونة والمشاركة منه ومن غيره، لا يمكنه أن يستقل بإيجاد شيء البتّة.

وقال آخرون: قدرة المُكتسِب تتعلق بمقدوره على وجه ما، وقدرة الخالق تتعلق به من جميع الوجوه.

قالوا: وليس كون الفعل كسبًا من حقائقه التي تختصه، بل هو معنى طرأ عليه، كما يقول منازعونا من المعتزلة: إن هذه الحركة لُطْف، وهذا الفعل لُطْف، وصيغة "افعل" تصير أمرًا بالإرادة، لا أنها حدثت بالإرادة، واعتقاد الشيء على ما هو به يصير علمًا بسكون النفس إليه، لا أنه يحدث كذلك به، والأشياء قد تقترن في الوجود فتتغير أوصافها وأحكامها.

قالوا: فالحركة إذا صادفت المتحرِّك بها على وجه مخصوص تسمّى سباحة مثلًا، ولَطمًا، ومشيًا، ورقصًا.

وقال الأشعري وابن الباقلاني: الواقع بالقدرة الحادثة هو كون الفعل كسبًا، دون كونه موجودًا، أو مُحْدَثًا، فكونه كسبًا وصف للوجود بمثابة كونه معلومًا٢.

ولخّص بعضُ متأخريهم هذه العبارات بأن قال: الكَسْب عبارة عن

  1. (١) نقله في "شرح الإرشاد" (ق ١٦١/أ)، و"نهاية الإقدام" (٧٢).
  2. (٢) بتصرف من "شرح الإرشاد" (ق ١٦١/أ)، وانظر: "مقالات الإسلاميين" (٥٤٢)، "التمهيد" (٢٨٦)، "الإنصاف" (٤٣)، "المطالب العالية" (٩/ ٩ - ١٠).
399

الاقتران العادي بين القدرة المُحْدَثة والفعل، فإن الله سبحانه أجرى العادة بخلق الفعل عند قدرة العبد وإرادته لا بهما، فهذا الاقتران هو الكَسْب.

ولهذا قال كثير من العقلاء: إن هذا من محالات الكلام، وإنه شقيق أحوال أبي هاشم، وطفرة النظّام، والمعنى القائم بالنفس الذي يسميه القائلون به كلامًا، وشيء من ذلك غير معقول ولا متصوَّر.

والذي استقر عليه قول الأشعري: أن القدرة الحادثة لا تؤثر في مقدورها، ولم يقع المقدور ولا صفة من صفاته بها، بل المقدور بجميع صفاته واقع بالقدرة القديمة، ولا تأثير للقدرة الحادثة فيه. وتابعه على ذلك عامة أصحابه.

والقاضي أبو بكر يوافقه مرَّة، ومرَّة يقول: القدرة الحادثة لا تؤثر في إثبات الذات وإحداثها، ولكنها تقتضي صفة للمقدور زائدة على ذاته تكون حالًا له.

ثم تارة يقول: تلك الصفة التي من أثر القدرة الحادثة مقدورة لله تعالى.

ولم يمنع من إثبات هذا المقدور بين قادرين على هذا الوجه.

وقد اضطربت آراء أتباع الأشعري في الكَسْب اضطرابًا عظيمًا، واختلفت عباراتهم فيه اختلافًا كثيرًا، وقد ذكره١ كله أبو القاسم سلمان بن ناصر٢

  1. (١) في جميع النسخ: "ذكر".
  2. (٢) تحرّف اسمه في "د" و"م" إلى: "سليمان بن ماجه"، ووافقتهما "ج" في الأول منهما، والمثبت هو الصواب المشهور، وقد نصّ ابن الصلاح على فتح السين في "سلمان"، انظر: "المنتخب من السياق" (٢٦٨)، "طبقات الشافعية" لابن الصلاح (١/ ٤٧٧).
400

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي