شفاء العليل

وإن قلت: لم يبقَ في هذه الحال بيده من أمرها شيء، ولا هو متمكن منه؛ أصبت، بل قد حال بينه وبين ردها مَنْ يحول بين المرء وقلبه، ومن يقلب أفئدة المعاندين وأبصارهم.

وإذا أردت فهم هذا على الحقيقة فتأمل حال من عرضت له صورة بارعة الجمال، فدعاه حسنُها إلى محبتها، فنهاه عقله، وذكّره ما في ذلك من التلف والعطب، وأراه مصارع العشاق عن يمينه وعن شماله، ومن بين يديه ومن خلفه، فعاد يعاود النظر مرة بعد مرة، ويحث نفسه على التعلق وقوة الإرادة، ويحرض على أسباب المحبة، ويدني الوقود من النار، حتى إذا اشتعلت، وشبّ ضرامها، ورمت بشررها، وقد أحاطت به= طلب الخلاص، قال له القلب: هيهات لات حين مناص، وأنشده:

تولَّعَ بالعشق حتى عشقْفلما استقلّ به لم يطِقْ
رأى لجّةً، ظنَّها موجةفلما تمكّن منها غرِقْ١

فكان الترك أولًا مقدورًا له، لمّا لم يوجد السبب التام والإرادة الجازمة الموجِبة للفعل، فلمّا تمكّن الداعي، واستحكمت الإرادة، قال المحب لعاذله:

يا عاذلي والأمر في يدههلّا عذلتَ وفي يدي الأمر٢

فكان أول الأمر إرادة واختيارًا ومحبّة، ووسطه اضطرارًا، وآخره عقوبة

  1. (١) سلف توثيق البيتين في (٢٩٥).
  2. (٢) هو في "ديوان الصبابة" (٣٤) دون نسبة، واستشهد به المصنف في "إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان" (٤٠)، وفي "روضة المحبين" (٢٢٣).
450

وبلاء.

ومُثِّلَ هذا برجل ركب فرسًا لا يملكه راكبه، ولا يتمكّن من رده، وأجراه في طريق ينتهي به إلى موضع هلاك، فكان الأمر إليه قبل ركوبها، فلما توسطت به الميدان خرج الأمر عن يده، فلما وصلت به إلى الغاية حصل على الهلاك.

ويشبه هذا حال السكران الذي قد زال عقله إذا جَنَى في حال سكره؛ لم يكن معذورًا؛ لتعاطيه السبب اختيارًا، فلم يكن معذورًا بما ترتب عليه اضطرارًا.

وهذا مأخذ من أوقع طلاقه من الأئمة، ولهذا قالوا: إذا زال عقله بسبب يعذر فيه لم يقع طلاقه، فجعلوا وقوع الطلاق عليه من تمام عقوبته.

والذين لم يوقعوا الطلاق قولهم أفقه، كما أفتى به عثمان بن عفان١، ولم يعلم له في الصحابة مخالف.

ورجع إليه الإمام أحمد، واستقر عليه قوله٢.

فإن الطلاق ما كان عن وَطَر، والسكران لا وَطَر له في الطلاق.

وقد حكم النبي ﷺ بعدم وقوع الطلاق في حال الغَلْق٣، والسُّكْر من

  1. (١) أخرجه عبد الرزاق (١٢٣٠٨)، وابن أبي شيبة (١٨٢٧٥)، وقد ناقش ابن عبد البر في "الاستذكار" (١٨/ ١٦٣) دعوى عدم وجود مخالف من الصحابة لعثمان.
  2. (٢) انظر: "مسائل أحمد وإسحاق" (٩/ ٤٦٤٧)، "إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان" (٢٦ - ٢٧)، "الإنصاف" (٨/ ٤٣٣).
  3. (٣) الغَلْق اسم الإغلاق، وهو الإكراه، كأنه إذا ضُيّق على الزوج فاضطر إلى تطليق امرأته فقد أُغلق عليه باب المخرج، فوضع الإغلاق موضع الإكراه. يُنظر: "الصحاح" (٤/ ١٥٣٨)، "الزاهر" (١٤٩).
    والحديث أخرجه أحمد (٢٦٣٦٠)، وأبو داود (٢١٩٣)، وابن ماجه (٢٠٤٦)، من طرق عن عائشة ترفعه: "لا طلاق، ولا عتاق في إغلاق"، وفي إسناده محمد بن عبيد بن أبي صالح، ضعفه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (٨/ ١٠)، وانظر: "البدر المنير" (٨/ ٨٤ - ٨٦).
451

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي