شفاء العليل

وبلاء.

ومُثِّلَ هذا برجل ركب فرسًا لا يملكه راكبه، ولا يتمكّن من رده، وأجراه في طريق ينتهي به إلى موضع هلاك، فكان الأمر إليه قبل ركوبها، فلما توسطت به الميدان خرج الأمر عن يده، فلما وصلت به إلى الغاية حصل على الهلاك.

ويشبه هذا حال السكران الذي قد زال عقله إذا جَنَى في حال سكره؛ لم يكن معذورًا؛ لتعاطيه السبب اختيارًا، فلم يكن معذورًا بما ترتب عليه اضطرارًا.

وهذا مأخذ من أوقع طلاقه من الأئمة، ولهذا قالوا: إذا زال عقله بسبب يعذر فيه لم يقع طلاقه، فجعلوا وقوع الطلاق عليه من تمام عقوبته.

والذين لم يوقعوا الطلاق قولهم أفقه، كما أفتى به عثمان بن عفان١، ولم يعلم له في الصحابة مخالف.

ورجع إليه الإمام أحمد، واستقر عليه قوله٢.

فإن الطلاق ما كان عن وَطَر، والسكران لا وَطَر له في الطلاق.

وقد حكم النبي ﷺ بعدم وقوع الطلاق في حال الغَلْق٣، والسُّكْر من

  1. (١) أخرجه عبد الرزاق (١٢٣٠٨)، وابن أبي شيبة (١٨٢٧٥)، وقد ناقش ابن عبد البر في "الاستذكار" (١٨/ ١٦٣) دعوى عدم وجود مخالف من الصحابة لعثمان.
  2. (٢) انظر: "مسائل أحمد وإسحاق" (٩/ ٤٦٤٧)، "إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان" (٢٦ - ٢٧)، "الإنصاف" (٨/ ٤٣٣).
  3. (٣) الغَلْق اسم الإغلاق، وهو الإكراه، كأنه إذا ضُيّق على الزوج فاضطر إلى تطليق امرأته فقد أُغلق عليه باب المخرج، فوضع الإغلاق موضع الإكراه. يُنظر: "الصحاح" (٤/ ١٥٣٨)، "الزاهر" (١٤٩).
    والحديث أخرجه أحمد (٢٦٣٦٠)، وأبو داود (٢١٩٣)، وابن ماجه (٢٠٤٦)، من طرق عن عائشة ترفعه: "لا طلاق، ولا عتاق في إغلاق"، وفي إسناده محمد بن عبيد بن أبي صالح، ضعفه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (٨/ ١٠)، وانظر: "البدر المنير" (٨/ ٨٤ - ٨٦).
451

الغَلْق كما أن الإكراه والجنون من الغَلْق.

بل قد نصَّ الإمام أحمد١ وأبو عبيد٢ وأبو داود٣ على أن الغضب إغلاق، وفسَّرَ به الإمام أحمد الحديث في رواية أبي طالب٤، وهذا يدل على أن مذهبه أن طلاق الغضبان لا يقع.

وهذا هو الصحيح الذي يُفْتَى به إذا كان الغضب شديدًا، قد أَغْلَق عليه قصده، فإنه يصير بمنزلة السكران والمكره، بل قد يكونان أحسن حالًا منه؛ فإن العبد في حال شدة غضبه يصدر منه ما لا يصدر من السكران من الأقوال والأفعال، وقد أخبر الله سبحانه أنه لا يجيب دعاءه على نفسه وولده في هذه الحال، ولو أجابه لقضي إليه أجله.

وقد عذر سبحانه من اشتد به الفرح بوجود راحلته في الأرض المهلكة

  1. (١) نقله المصنف وغيره من رواية حنبل عنه، كما في "إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان" (٦)، و"زاد المعاد" (٥/ ١٩٥)، و"الفروع" (٩/ ١١).
  2. (٢) وكذلك نسبه إليه في "الصواعق" (٢/ ٥٦٣)، وفي "المغني" (١٠/ ٣٥١)، و"زاد المعاد" (٥/ ١٩٥) تنصيص أبي عبيد على أن الإغلاق هو الإكراه.
  3. (٣) عقب تخريجه الحديث (٢١٩٣)، بقوله: "أظنه الغضب".
  4. (٤) المشهور الذي حكاه المصنف في كتبه الأخرى وحكاه غيره أنها من رواية حنبل.
452

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي