شفاء العليل

الأمم، وهو التوحيد الذي لا يقبل الله من أحد دينًا سواه، لا من الأولين ولا من الآخرين، وهو الذي أمر به رسله، وأنزل به كتبه، ودعا إليه عباده، ووضع لهم دار الثواب والعقاب لأجله، وشرع الشرائع لتكميله وتحصيله.

وكان من قولك أيها الجبري: إن العبد لا قدرة له على هذا البتّة، ولا أثر له فيه، ولا هو فعله، وأمْره بهذا أمْر له بما لا يطيق، بل أمْر له بإيجاد فعل الربِّ، وأن الربّ تعالى أَمَرَه بذلك، وأجبره على ضده، وحال بينه وبين ما أَمَرَه به، ومنعه منه، وصدّه عنه، ولم يجعل له إليه سبيلًا بوجه من الوجوه.

مع قولك: إنه لا يُحِبّ، ولا يُحَبّ، فلا تتألّهه القلوب بالمحبّة والودّ والشوق والطلب وإرادة وجهه، والتوحيد معنى ينتظم من إثبات الإلهية وإثبات العبودية، فرفَعْتَ معنى الإلهية بإنكار كونه محبوبًا مودودًا، تتنافس القلوب في محبته وإرادة وجهه، والشوق إلى لقائه، ورفَعْتَ حقيقة العبودية بإنكارك كون العبد فاعلًا وعابدًا ومحِبًّا، فإن هذا كله مجاز لا حقيقة له عندك.

فضاع التوحيد بين الجَبْر وإنكار محبته وإرادة وجهه، لاسيما والوصف الذي وصفتَه به منفّرٌ للقلوب عنه، حائل بينها وبين محبته؛ فإنك وصفته بأنه يأمر عبده بما لا قدرة له على فعله، وينهاه عما لا يقدر على تركه، بل يأمره بفعله هو سبحانه، وينهاه عن فعله هو، ثم يعاقبه أشد العقوبة على ما لم يفعله البتّة، بل يعاقبه على أفعاله هو سبحانه.

وصرّحتَ بأن عقوبته على ترك ما أمره، وفعل ما نهاه بمنزلة عقوبته له على ترك طيرانه إلى السماء، وترك تحويله الجبال عن أماكنها، ونقله مياه البحار عن مواضعها، وبمنزلة عقوبته له على ما لا صنع له فيه من لونه

455

وطوله وقصره.

وصرّحتَ بأنه يجوز عليه أن يعذب أشدّ العذاب من١ لم يعصه طرفة عين، وأن حكمته ورحمته لا تمنع ذلك، بل هو جائز عليه، ولولا خبره عن نفسه بأنه لا يفعل ذلك لم تنزّهه عنه.

وقلتَ: إنّ تكليفه عبادَه بما كلفهم به بمنزلة تكليف الأعمى للكتابة، والزَّمِن للطيران!

فبغّضتَ الربَّ إلى من دعوته إلى هذا الاعتقاد، ونفّرتَه عنه، وزعمتَ أنك تقرر بذلك توحيده، وقد قلعتَ شجرة التوحيد من أصلها.

وأما منافاة الجَبْر للشرائع فأمر ظاهر لا خفاء به؛ فإنّ مبنى الشرائع على الأمر والنهي، وأمر الآمر لغيره بفعل نفسه لا بفعل المأمور، ونهيه عن فعله لا فعل المنهي= عبثٌ ظاهر؛ فإن متعلّق الأمر والنهي فعل العبد وطاعته ومعصيته، فمن لا فعل له كيف يتصور أن يوصف بطاعة أو معصية؟!

وإذا ارتفعت حقيقة الطاعة والمعصية ارتفعت حقيقة الثواب والعقاب، وكان ما يفعله الله بعباده يوم القيامة من النعيم والعذاب أحكامًا جارية عليهم بمحض المشيئة والقدرة، لا أنها بأسباب طاعاتهم ومعاصيهم.

بل ههنا أمر آخر، وهو أن الجَبْر منافٍ للخَلْق كما هو مناف للأمر؛ فإن الله سبحانه له الخَلْق والأمر، وما قامت السماوات والأرض إلا بعدله، فالخَلْق قام بعدله، وبعدله ظهر، كما أن الأمر بعدله، وبعدله وُجِد، فالعدل سبب وجود الخَلْق، والأمر غايته، فهو علّته الفاعلية والغائية، والجبر لا

  1. (١) في الأصول: "لمن"، والصواب المثبت.
456

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي