شفاء العليل

وطوله وقصره.

وصرّحتَ بأنه يجوز عليه أن يعذب أشدّ العذاب من١ لم يعصه طرفة عين، وأن حكمته ورحمته لا تمنع ذلك، بل هو جائز عليه، ولولا خبره عن نفسه بأنه لا يفعل ذلك لم تنزّهه عنه.

وقلتَ: إنّ تكليفه عبادَه بما كلفهم به بمنزلة تكليف الأعمى للكتابة، والزَّمِن للطيران!

فبغّضتَ الربَّ إلى من دعوته إلى هذا الاعتقاد، ونفّرتَه عنه، وزعمتَ أنك تقرر بذلك توحيده، وقد قلعتَ شجرة التوحيد من أصلها.

وأما منافاة الجَبْر للشرائع فأمر ظاهر لا خفاء به؛ فإنّ مبنى الشرائع على الأمر والنهي، وأمر الآمر لغيره بفعل نفسه لا بفعل المأمور، ونهيه عن فعله لا فعل المنهي= عبثٌ ظاهر؛ فإن متعلّق الأمر والنهي فعل العبد وطاعته ومعصيته، فمن لا فعل له كيف يتصور أن يوصف بطاعة أو معصية؟!

وإذا ارتفعت حقيقة الطاعة والمعصية ارتفعت حقيقة الثواب والعقاب، وكان ما يفعله الله بعباده يوم القيامة من النعيم والعذاب أحكامًا جارية عليهم بمحض المشيئة والقدرة، لا أنها بأسباب طاعاتهم ومعاصيهم.

بل ههنا أمر آخر، وهو أن الجَبْر منافٍ للخَلْق كما هو مناف للأمر؛ فإن الله سبحانه له الخَلْق والأمر، وما قامت السماوات والأرض إلا بعدله، فالخَلْق قام بعدله، وبعدله ظهر، كما أن الأمر بعدله، وبعدله وُجِد، فالعدل سبب وجود الخَلْق، والأمر غايته، فهو علّته الفاعلية والغائية، والجبر لا

  1. (١) في الأصول: "لمن"، والصواب المثبت.
456

يجامع العدل كما لا يجامع الشرع والتوحيد.

قال الجبري: لقد نطقتَ أيها السني بعظيم، وفهْتَ بكبير، وناقضتَ بين متوافقَيْن، وخالفتَ بين متلازمَيْن؛ فإن أدلة العقول، والشرع المنقول، قائمة على الجَبْر، وما دلّ عليه العقل والنقل كيف ينافي موجب الشرع والعقل؟!

فاسمع الآن الدليل الباهر، والبرهان القاهر على الجَبْر، ثم نتبعه بأمثاله١، فنقول:

صدور الفعل عند حصول القدرة والداعي: إما أن يكون واجبًا أو لا يكون واجبًا، فإن كان واجبًا كان فعل العبد اضطراريًا، وذلك عين الجَبْر؛ لأن حصول القدرة والداعي ليس للعبد٢، وإلا لزم التسلسل، وهو ظاهر. وإذا كان كذلك فعند حصولهما يكون الفعل واجبًا، وعند عدم حصولهما يكون الفعل ممتنعًا، فكان٣ الجَبْر لازمًا لا محالة.

وأما إن لم يكن حصول الفعل عند حصول القدرة والداعي واجبًا: فإما أن يتوقف رجحان الفعل على رجحان الترك على مرجِّح، أو لا يتوقف، فإن توقف كان حصول ذلك الفعل عند حصول المرجِّح واجبًا، وإلا عاد الكلام، ولزم التسلسل، وإذا كان واجبًا كان اضطراريًا، وهو عين الجَبْر، وإن لم يتوقف على مرجِّح كان جائز الوقوع وجائز العدم، فوقوعه بغير مرجِّح يستلزم حصول الأثر بلا مؤثِّر، وذلك محال.

  1. (١) "د" "ج": "بأمثال"، والمثبت من "م".
  2. (٢) "د" "ج": "بالعبد"، والمثبت من "م".
  3. (٣) "د" "م": "وكان"، والمثبت من "ج".
457

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي