شفاء العليل

يجامع العدل كما لا يجامع الشرع والتوحيد.

قال الجبري: لقد نطقتَ أيها السني بعظيم، وفهْتَ بكبير، وناقضتَ بين متوافقَيْن، وخالفتَ بين متلازمَيْن؛ فإن أدلة العقول، والشرع المنقول، قائمة على الجَبْر، وما دلّ عليه العقل والنقل كيف ينافي موجب الشرع والعقل؟!

فاسمع الآن الدليل الباهر، والبرهان القاهر على الجَبْر، ثم نتبعه بأمثاله١، فنقول:

صدور الفعل عند حصول القدرة والداعي: إما أن يكون واجبًا أو لا يكون واجبًا، فإن كان واجبًا كان فعل العبد اضطراريًا، وذلك عين الجَبْر؛ لأن حصول القدرة والداعي ليس للعبد٢، وإلا لزم التسلسل، وهو ظاهر. وإذا كان كذلك فعند حصولهما يكون الفعل واجبًا، وعند عدم حصولهما يكون الفعل ممتنعًا، فكان٣ الجَبْر لازمًا لا محالة.

وأما إن لم يكن حصول الفعل عند حصول القدرة والداعي واجبًا: فإما أن يتوقف رجحان الفعل على رجحان الترك على مرجِّح، أو لا يتوقف، فإن توقف كان حصول ذلك الفعل عند حصول المرجِّح واجبًا، وإلا عاد الكلام، ولزم التسلسل، وإذا كان واجبًا كان اضطراريًا، وهو عين الجَبْر، وإن لم يتوقف على مرجِّح كان جائز الوقوع وجائز العدم، فوقوعه بغير مرجِّح يستلزم حصول الأثر بلا مؤثِّر، وذلك محال.

  1. (١) "د" "ج": "بأمثال"، والمثبت من "م".
  2. (٢) "د" "ج": "بالعبد"، والمثبت من "م".
  3. (٣) "د" "م": "وكان"، والمثبت من "ج".
457

فإن قلتَ: المرجِّح هو إرادة العبد.

قلتُ لك: إرادة العبد حادثة، والكلام في حدوثها كالكلام في حدوث المراد بها، ويلزم التسلسل.

قال السني: هذا أحدّ سهم في كنانتك، وهو بحمد الله سهم لا ريش له ولا نصل مع عوجه، وعدم استقامته، وأنا أستفسرك عما في هذه الحجة من الألفاظ المجملة المشتملة على حق وباطل، وأبين لك فسادها.

فما تعني بقولك: إن كان الفعل عند القدرة والداعي واجبًا كان فعل العبد اضطراريًا، وهو عين الجَبْر؟

أتعني به: أنه يكون مع القدرة والداعي بمنزلة حركة المرتعش، وحركة من نفضته الحمّى، وحركة من رُمِي به من مكان عالٍ، فهو يتحرك في نزوله اضطرارًا منه؟ أم تعني به: أن الفعل عند اجتماع القدرة والداعي يكون لازم الوقوع بالقدرة والداعي؟

فإن أردتَ بكونه اضطراريًا المعنى الأول: كذبتك العقول والفطر والحسّ والعيان؛ فإن الله فطر عباده على التفريق بين حركة مَن رُمِي به من شاهق، فهو يتحرك إلى أسفل، وبين حركة مَن يرقى في الجبل إلى علوه، وبين حركة المرتعش، وحركة المصفّق، وبين حركة الزاني والسارق والمجاهد والمصلي، وحركة المكتوف الذي قد أوثق رباطًا وجُرّ على الأرض. فمن سوَّى بين الحركتين فقد خلع ربقة العقل والفطرة والشِّرْعة من عنقه.

وإن أردتَ المعنى الثاني، وهو كون الفعل لازم الوجود عند وجود

458

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي