شفاء العليل

وإن كان صفتها أمرًا عدميًا كان متعلق قدرته عدمًا لا وجودًا، وذلك ممتنع؛ إذ أثر القدرة لا يكون عدمًا صِرفًا.

وفرقة أخرى قالت: بل الفعل وصفته واقع بمحض قدرة الله وحده، ولا تأثير لقدرة العبد في هذا ولا في هذا، وهذا قول الأشعري ومن اتبعه.

وفرقة قالت: بل المؤثِّر قدرة العبد وحده دون قدرة الربّ، ثم انقسمت هذه الفرقة إلى فرقتين:

فرقة قالت: إن قدرة العبد هي المؤثِّرة مع كون الربّ تعالى قادرًا على الحركة، وقالت: إن مقدورات العباد مقدورة لله ﷿، وهذا قول أبي الحسين البصري وأتباعه الحسينية.

وفرقة قالت: إن قدرة العبد هي المؤثرة، والله سبحانه غير قادر على مقدور العبد، وهذا قول المشايخية أتباع أبي علي وأبي هاشم.

وليس عند ابن الخطيب وجمهور المتكلمين غير هذه الأقوال التي لا تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا، وليس عند أربابها إلا مناقضة بعضهم بعضًا١.

وقد أجاب بعض أصحاب أبي الحسين عن هذا السؤال بأن قال: إنه وإن كان يقول بمقدور بين قادرَيْن، فله أن يقول في هذا المقام: إن كان الدليل الذي ذكرته دليلًا صحيحًا على استحالة اجتماعهما على فعل واحد، فإنما يدل على استحالته على فعلهما على سبيل الجمع، ولا يستحيل أن يفعلاه على سبيل البدل، كما يستحيل حصول جوهرين في مكان واحد، ولا يستحيل حصولهما فيه على البدل.

  1. (١) تقدم عزو هذه الأقوال والمذاهب في (٤٦١).
472

وهذا جواب باطل قطعًا؛ فإن مضمونه أن أحدهما لا يقدر عليه إلا إذا تركه الآخر، فحال تلبس العبد بالفعل بقدرته وإرادته إن كان مقدورًا لله فهو القول بمقدور بين قادرَيْن، وإن لم يكن مقدورًا له سبحانه لزم إخراج بعض الممكنات عن قدرته.

فإن قلت: هو قادر عليه بشرط أن لا يقدر عليه العبد.

قيل لك: فهذا تصريح منك بأنه في حال قدرة العبد عليه لا يقدر عليه الربّ، فلا ينفعك القول بأنه قادر عليه على البدل.

وأيضًا: فإن قدر عليه عندك بشرط أن لا يقدر١ عليه العبد، فإذا قدر العبد عليه انتفت قدرة الرب لانتفاء شرطها.

وهذا مما صاح به عليكم أهل التوحيد من أقطار الأرض، ورموكم به عن قوس واحدة، وإنما صانعتم به أهل السنة مصانعة، وإلا فحقيقة هذا القول أن العبد يقدر على ما لا يقدر عليه الربّ، وحكاية هذا الرأي الباطل كافية في فساده.

فإن قلت: كما لا يمتنع معلوم واحد بين عالمَيْن، ومراد واحد بين مريدَيْن، فلا يمتنع مقدور واحد بين قادرَيْن.

قيل: هذا من أفسد القياس؛ لأن المعلوم٢ لا يتأثر بالعالم، والمراد لا يتأثر بالمريد، فيصح الاشتراك في المعلوم والمراد، كما يصح الاشتراك في المرئي والمسموع، وأما المقدور فيجوز اشتراك القادرَيْن فيه بالقدرة

  1. (١) "د": "مشروطة بأن لا يقدر".
  2. (٢) "د": "العالم".
473

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي