شفاء العليل

وهذا جواب باطل قطعًا؛ فإن مضمونه أن أحدهما لا يقدر عليه إلا إذا تركه الآخر، فحال تلبس العبد بالفعل بقدرته وإرادته إن كان مقدورًا لله فهو القول بمقدور بين قادرَيْن، وإن لم يكن مقدورًا له سبحانه لزم إخراج بعض الممكنات عن قدرته.

فإن قلت: هو قادر عليه بشرط أن لا يقدر عليه العبد.

قيل لك: فهذا تصريح منك بأنه في حال قدرة العبد عليه لا يقدر عليه الربّ، فلا ينفعك القول بأنه قادر عليه على البدل.

وأيضًا: فإن قدر عليه عندك بشرط أن لا يقدر١ عليه العبد، فإذا قدر العبد عليه انتفت قدرة الرب لانتفاء شرطها.

وهذا مما صاح به عليكم أهل التوحيد من أقطار الأرض، ورموكم به عن قوس واحدة، وإنما صانعتم به أهل السنة مصانعة، وإلا فحقيقة هذا القول أن العبد يقدر على ما لا يقدر عليه الربّ، وحكاية هذا الرأي الباطل كافية في فساده.

فإن قلت: كما لا يمتنع معلوم واحد بين عالمَيْن، ومراد واحد بين مريدَيْن، فلا يمتنع مقدور واحد بين قادرَيْن.

قيل: هذا من أفسد القياس؛ لأن المعلوم٢ لا يتأثر بالعالم، والمراد لا يتأثر بالمريد، فيصح الاشتراك في المعلوم والمراد، كما يصح الاشتراك في المرئي والمسموع، وأما المقدور فيجوز اشتراك القادرَيْن فيه بالقدرة

  1. (١) "د": "مشروطة بأن لا يقدر".
  2. (٢) "د": "العالم".
473

المصحِّحة، وهي صحة وقوعه من كل واحد منهما، فصحة التأثير من أحدهما لا تنافي صحته من الآخر، وأما اشتراكهما فيه بالقدرة الموجِبة المقارِنة لمقدورها فهو عين المحال، إلا أن يراد الاشتراك على البدل، فيكون ترك تأثير أحدهما فيه شرطًا في تأثير الآخر.

ولما تفطّن أبو الحسين لهذا قال: لست أقول: إن إضافته إلى أحدهما هي إضافته إلى الآخر، كما أن الشيء الواحد يكون معلومًا لعالمَيْن، ويمتنع أن يكون علم أحدهما به هو علم الآخر، فهكذا أقول في المقدور بين قادرَيْن، ليست قدرة أحدهما عليه هي قدرة الآخر، والمفعول بين فاعلَيْن ليس فعل أحدهما فيه هو فعل الآخر، وإنما معنى قولي: إنه فِعْل لهذا وتأثير له، أنه لقدرته وداعيه وُجِد، وليس معنى كونه وُجِد لقدرة هذا وداعيه هو معنى كونه وُجِد لقدرة الآخر وداعيه.

قال: وليس يمتنع في العقل إضافة شيء واحد إلى شيئين، لكنه يمتنع أن يكون إضافته إلى أحدهما هي عين إضافته إلى الآخر.

وهذا لا يجدي عنه شيئًا؛ فإن التقسيم المذكور دائر فيه.

ونحن نقول: قد دلّ الدليل على شمول قدرة الرب ﵎ لكل ممكن من الذوات والصفات والأفعال، وأنه لا يخرج شيء عن مقدوره البتّة.

ودلّ الدليل أيضًا على أن العبد فاعل لفعله بقدرته وإرادته، وأنه فِعْل له حقيقة يُمدح ويُذم به عقلًا وعرفًا وشرعًا، وفطرة فطر الله عليها العباد حتى الحيوان البهيم.

474

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي