شفاء العليل

ودلّ الدليل على استحالة مفعول واحد بالعين بين فاعلَيْن مستقلَّيْن، وأثر واحد بين مؤثِّرَيْن فيه على سبيل الاستقلال.

ودلّ الدليل أيضًا على استحالة وقوع حادث لا مُحدِث له، ورجحان راجح لا مُرجِّح له.

وهذه أمور ركّبها الله سبحانه في العقول، وحجج العقل لا تتناقض ولا تتعارض، ولا يجوز أن يضرب بعضها ببعض، بل يقال بها كلّها، ويُذهب إلى موجَبها؛ فإنها يصدّق بعضها بعضًا، وإنما يعارض بينها١ من ضعفت بصيرته، وإن كثر كلامه، وكثرت شكوكه، فالعلم أمر آخر وراء الشكوك والإشكالات، وإبداء٢ تناقض الخصوم، وهذا رأس مال المتكلمين.

والقول الحق لم ينحصر في هذه الأقوال التي حكوها في المسألة.

والصواب أن يقال: تقع الحركة بقدرة العبد وإرادته التي جعلها الله فيه، فالله سبحانه إذا أراد فِعْل العبد خَلَق له القدرة والداعي إلى فعله، فيضاف الفِعْل إلى قدرة العبد إضافة المسبَّب إلى سبَبه٣، ويضاف إلى قدرة الرب إضافة المخلوق إلى الخالق، فلا يمتنع وقوع مقدور بين قادرَيْن قدرة أحدهما أثر لقدرة الآخر، وهي جزء سبب، وقدرة القادر الآخر مستقلة بالتأثير.

والتعبير عن هذا المعنى بمقدور بين قادرَيْن تعبير فاسد وتلبيس؛ فإنه

  1. (١) "م": "بها"، "ج": "بينهما".
  2. (٢) "ج": "ولهذا".
  3. (٣) "ج": "السبب إلى مسبّبه"، وهي مجوّدة بالشكل في "د".
475

يوهم أنهما متكافئان في القدرة، كما تقول: هذا الثوب بين هذين الرجلين، وهذه الدار بين هذين الشريكين. وإنما المقدور واقع بالقدرة الحادثة وقوع المسبَّب بسببه، والسبب والمسبَّب والفاعل والآلة كله أثر القدرة القديمة، فلا نعطل قدرة الربّ تعالى عن شمولها وكمالها، وتناولها لكل ممكن، ولا نعطل قدرة العبد التي هي سبب عما جعلها الله سببًا له ومؤثّرة فيه.

وليس في الوجود شيء مستقل بالتأثير سوى مشيئة الربّ تعالى وقدرته، وكل ما سواه مخلوق له، وهو أثر قدرته ومشيئته، ومن أنكر ذلك لزمه إثبات خالق سوى الله، أو القول بوجود مخلوق لا خالق له؛ فإن فعل العبد إن لم يكن مخلوقًا لله كان مخلوقًا للعبد: إما استقلالًا، وإما على سبيل الشركة، وإما أن يقع بغير خالق، ولا مخلص عن هذه الأقسام لمنكر دخول الأفعال تحت قدرة الرب تعالى ومشيئته وخلقه.

وإذا عُرِف هذا فنقول: الفعل وقع بقدرة الربّ خلقًا وتكوينًا، كما وقعت سائر المخلوقات بقدرته وتكوينه، وبقدرة العبد سببًا ومباشرة، فالله خلق الفعل، والعبد فَعَله وباشره، فالقدرة الحادثة وأثرها واقعان بقدرة الرب ومشيئته.

فصل

قال الجبري: لو كان العبد فاعلًا لأفعاله لكان عالمًا بتفاصيلها؛ لأنه يمكن أن يكون الفعل أزيد مما فعله أو أنقص، فوقوعه على ذلك الوجه مشروط بالعلم بتفصيله، ومعلوم أن النائم والغافل قد يفعل الفعل ولا يشعر بكيفيّته ولا قَدْره، وأيضًا فالمتحرك يقطع المسافة ولا شعور له بتفاصيل الحركة ولا أجزاء المسافة، ومحرّك أصبعه محرّكٌ لأجزائها ولا يشعر بعدد

476

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي