شفاء العليل

فصل

قال الجبري: لو جاز تأثير قدرة العبد في الفعل بالإيجاد لجاز تأثيرها في إيجاد كل موجود؛ لأن الوجود قضية واحدة مشتركة بين الموجودات الممكنة، وإن اختلفت محالّه وجهاته، ويلزم من صحة تأثير القدرة في بعضه صحة تأثيرها في جميعه؛ لاتحاد المتعلَّق، وأن ما ثبت لأحد المثلين يثبت للآخر، وأيضًا فالمصحِّح للتأثير هو الإمكان، ويلزم من الاشتراك في المصحِّح للتأثير الاشتراك في الصحة، ومعلوم قطعًا أن قدرة العبد لا تتعلق بإيجاد الأجسام وأكثر الأعراض، وإنما تتعلق ببعض الأعراض القائمة بمحل قدرته.

قال السني: لقد كشف الله عوار مذهب يكون إثباته مُسْتنِدًا١ إلى مثل هذه الخرافات التي حاصلها: أنه يلزم من صحة قدرة العبد على قلع حصاة من الأرض صحة قدرته على قلع الجبل! ومن إمكان حمله لرطل إمكان حمله لمائة ألف رطل! ومن إيجاده للفعل القائم به من الأكل والشرب والصلاة وغيرها صحة إيجاده لخلق السماوات والأرض وما بينهما! فهل سُمِع في الهذيان بأسمج من هذا، وأغث منه؟!٢.

واشتراك الموجودات في مسمى الوجود الكلي العام لا يلزم منه أن ما جاز على موجود ما٣ جاز على كل موجود، وهذا أسمج من الأول وأبين

  1. (١) "د": "يكون استناده".
  2. (٢) "د" "م": "وأغرّ"، والمثبت من "ج" ألصق بالسياق، وسيأتي ما يعضده.
  3. (٣) "م": "موجود منا".
484

فسادًا، ولا يلزم من ذلك تماثل البعوضة والفيل، وتماثل الأجسام والأعراض، ومن يجعل من الجبرية للقدرة الحادثة تعلّقًا ما بفعل العبد يعترف بالفرق ويقول: قدرته تتعلق ببعض الأعراض ولا تتعلق بالأجسام، ولا بكل الأعراض، فإن احتج على إبطال التأثير بهذه الشبهة الغثّة أُلْزِم بها بعينها في عموم تعلق قدرته بكل موجود.

فصل

قال الجبري: دليل التوحيد ينفي كون العبد فاعلًا، وأن يكون لقدرته تأثير في فعله، وتقريره بدليل التمانع.

قال السني: دليل التوحيد إنما ينفي وجود ربّ ثان، ويدل على أنه لا ربّ إلا هو سبحانه، ولا يدل على امتناع وجود مخلوق له قدرة وإرادة مخلوقة يُحدِث بها، وهو وقدرته وإرادته وفعله مخلوق لله. فهو بعد طول مقدماته، واعتراف فضلائكم بالعجز عن تقريره، وذِكْر ما في مقدماته من منع ومعارضة= إنما ينفي وجود قادرَيْن متكافئيْن، قدرة كل واحد منهما من لوازم ذاته، ليست مستفادة من الآخر، وهو دليل صحيح في نفسه، وإن عجزتم عن تقريره، ولكن ليس فيه ما ينفي أن تكون قدرة العبد وإرادته سببًا لوجود مقدوره، وتأثيرها فيه تأثير الأسباب في مسبباتها، فلا للتوحيد قررتم بدليل التمانع، ولا للجبر، وقد كفانا أفضل متأخريكم بيان ما في هذا الدليل من المُنُوع١ والمعارضات.

  1. (١) "د": "الممنوع"، و"المُنُوع" جمع دارج في كتب الكلام لـ "مَنْع"، انظر على سبيل المثال: "تنبيه الرجل العاقل" (١/ ٣١، ٢٤٤)، "المواقف" (٢/ ٦٧٢).
485

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي