شفاء العليل

ولكن قوله١: «هذه الإضافة تمنع إضافتها إليه سبحانه»، كلام فيه إجمال وتلبيس، فإن أردتَ بمنع الإضافة إليه منع قيامها به، ووصفه بها، وجريان أحكامها عليه، واشتقاق الأسماء منها له= فنعم، هي غير مضافة إليه بشيء من هذه الاعتبارات والوجوه.

وإن أردتَ بعدم إضافتها إليه عدم إضافتها إلى علمه بها، وقدرته عليها، ومشيئته العامة وخلقه= فهذا باطل؛ فإنها معلومة له سبحانه، مقدورة له، مخلوقة له، وإضافتها إليهم لا تمنع هذه الإضافة، كالأموال؛ فإنها مخلوقة له سبحانه وهي ملكه حقيقة وقد أضافها إليهم، فالأعمال والأموال خَلْقه ومُلْكه وهو سبحانه يضيفها إلى عبيده، وهو الذي جعلهم مالكيها وعامليها، فصحّت النسبتان، وحصول الأموال بكسبهم وإرادتهم كحصول الأعمال، وهو الذي خلق الأموال وكاسبيها، والأعمال وعامليها، فأموالهم وأعمالهم ملكه وبيده.

كما أن أسماعهم وأبصارهم وأنفسهم ملكه وبيده، فهو الذي جعلهم يسمعون ويبصرون ويعملون، فأعطاهم حاسة السمع والبصر، وقوة السمع والبصر، وفعل٢ الإبصار والاستماع، وأعطاهم آلة العمل، وقوة العمل، ونفس العمل، فنسبة قوة العمل إلى اليد، والكلام إلى اللسان، كنسبة قوة السمع إلى الأذن، والبصر إلى العين، ونسبة الرؤية والاستماع اختيارًا إلى محلهما كنسبة الكلام والبطش إلى محلهما، فإن كانوا هم الذين خلقوا لأنفسهم الرؤية والسمع فهل خلقوا محلهما، وقوى المحل، والأسباب

  1. (١) كذا في الأصول بهاء الغائب، والأشبه بالسياق: «قولك».
  2. (٢) «د»: «وجعل».
4

الكثيرة التي تصح معها الرؤية والسمع، أمِ الكل خَلْق مَنْ هو خالق كل شيء، وهو الواحد القهار؟

قال القدري: لو كان الله سبحانه هو الفاعل لأفعالهم لاشتُقَّت له منها الأسماء، وكان أولى بأسمائها منهم؛ إذ لا يَعقل الناس على اختلاف لغاتهم وعاداتهم ودياناتهم قائمًا إلا من فعل القيام، وآكلًا إلا من فعل الأكل، وسارقًا إلا من فعل السرقة، وهكذا جميع الأفعال لازمها ومتعدّيها، فعكستم أنتم الأمر وقلبتم الحقائق، فقلتم: مَن فَعل هذه الأفعال حقيقة لا يُشتقّ له منها اسم، وإنما تُشتقّ منها الأسماء لمن لم يفعلها ولم يحدثها، وهذا خلاف العقول واللغات وما تتعارفه الأمم.

قال السني: هذا إنما يلزم إخوانك وخصومك الجبرية، القائلين بأن العبد لم يفعل شيئًا البتّة، وأما من قال: العبد فاعل لفعله حقيقة، والله خالقه وخالق آلات فعله الظاهرة والباطنة= فإنه إنما تُشتقّ الأسماء لمن فعل تلك الأفعال، فهو القائم والقاعد والمصلي والسارق والزاني حقيقة، فإن الفعل إذا قام بالفاعل عاد حكمه إليه، ولم يعد إلى غيره، واشتُقّ له منه اسم ولم يُشتقّ لمن لم يقم به.

فههنا أربعة أمور: أمران معنويان في النفي والإثبات، وأمران لفظيان فيهما، فلما قام الأكل والشرب والزنا والسرقة بالعبد؛ عادت أحكام هذه الأفعال إليه، واشتُقّت له منها الأسماء، وامتنع عود أحكامها إلى الرب، واشتقاق أسمائها له، ولكن من أين يَمْنع هذا أن تكون معلومة للرب تعالى، مقدورة له، مكوّنة له، واقعة من العباد بقدرة ربهم وتكوينه؟!

5

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي