شفاء العليل

وقاصدًا وحثيثًا، وخاضتْ فيه الفرق على تباينها واختلافها، وصَنَّفتْ فيه الطوائف على تنوع أصنافها، فلا أحد إلا وهو يحدّث نفسه بهذا الشان، ويطلب الوصول فيه إلى حقيقة العرفان، فتراه إما ناظرًا مع نفسه، أو مناظرًا لبني جنسه.

وكلٌّ قد اختار لنفسه مذهبًا لا يعتقد الصواب في سواه، ولا يرتضي إلا إيّاه، وكلهم ــ إلا مَن اهتدى بالوحي ــ عن طريق الصواب مصدود، وباب الهدى في وجهه مسدود، قد قَمَّشَ علمًا غير طائل، وارتوى من ماء آجن، قد طاف على أبواب المذاهب، ففاز بأخسِّ الآراء والمطالب، فرح بما عنده من العلم الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، وقدّم آراء من أحسن به الظن على الوحي المنزّل والنص المرفوع.

حيران يأتمُّ بكل حيران، يحسب كل سراب شرابًا، فهو طول عمره ظمآن، يُنَادى إلى الصواب من مكان بعيد، ويُدعى إلى الهدى فلا يستجيب إلى يوم الوعيد، قد فرح بما عنده من الخيال، وتشبّع بأنواع الباطل وأصناف المُحال، منعه الكفر الذي في صدره ــ وليس هو ببالغه ــ عن الانقياد للهداة المهتدين، ولسان حاله أو قاله يقول: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣].

فصل

ولما كان الكلام في هذا الباب نفيًا وإثباتًا مداره على الخبر عن أسماء الله وصفاته وأفعاله وخلقه وأمره؛ كان أسعدُ الناس بالصواب فيه مَن تلقّى ذلك من مشكاة الوحي المبين، ورغب بعقله وفطرته وإيمانه عن آراء

8

المُتَهَوِّكين١، وتشكيكات المتكلمين، وتكلفات المُتنطّعين، واستمطر دِيَم الهداية من كلمات أعلم الخلق بربِّ العالمين، فإن كلماته الجوامع النوافع في هذا الباب وفي غيره كفَتْ وشفَتْ، وجمعتْ وفرَّقتْ، وأوضحتْ وبيَّنتْ، وحلَّتْ محل التفسير والبيان لما تضمنه القرآن.

ثم تلاه أصحابه من بعده على نهجه المستقيم، وطريقه القويم، فجاءت كلماتهم كافية شافية، مختصرة نافعة، لقرب العهد ومباشرة التلقي من تلك المشكاة، التي هي مظهر كل نور، ومنبع كل خير، وأساس كل هدى.

ثم سلك على آثارهم التابعون لهم بإحسان، فاقتفوا طريقهم، وركبوا منهاجهم، واهتدوا بهداهم، ودعوا إلى ما دعوا إليه، ومضوا على ما كانوا عليه.

ثم نبغ في عهدهم وأواخر عهد الصحابة مجوسُ هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر، وأنّ الأمر أُنُف، فمَن شاء هدى نفسه، ومَن شاء أضلها، ومَن شاء بخسها حظَّها٢ وأهملها، ومَن شاء وفّقها للخير وكمّلها، كل ذلك مردود إلى مشيئة العبيد، ومُقْتَطَع من مشيئة العزيز الحميد، فأثبتوا في ملكه ما لا يشاء، وفي مشيئته ما لا يكون.

ثم جاء خَلْفُ هذا السلف، فقرروا ما أسَّسَه أولئك من نفي القدر وسمّوه عدلًا، وزادوا عليه نفي صفاته سبحانه وحقائق أسمائه وسمّوه توحيدًا.

  1. (١) الحيرى المترددون، "القاموس" (هوك) (٩٥٨).
  2. (٢) "م": "حقها"، والمثبت من "د" له نظائر من كلام المؤلف، وليس في "م": "وأهملها".
9

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي