قال السني: هذا باطل ودعوى كاذبة؛ فإنه سبحانه لا يُشتقّ له اسم مما خلقه في غيره، ولا يعود حكمه عليه، وإنما يُشتقّ الاسم لمن قام به ذلك، فإنه سبحانه خلق الألوان والطعوم والروائح والحركات في محالها، ولم يُشتقّ له منها اسم، ولا عادت أحكامها إليه، ومعنى عود الحكم إلى المحل الإخبار عنه بأنه يقوم ويقعد ويأكل ويشرب.
قال السني: ومن ههنا عُلِم ضلال المعتزلة الذين يقولون: القرآن مخلوق، خلقه الله في محل، ثم اشتُقّ له اسم المتكلم باعتبار خلقه له، وعاد حكمه إليه، فأخبر عنه أنه تكلم به. ومعلوم أن الله سبحانه خالق صفات الأجسام وأعراضها وقواها، فكيف جاز أن يُشتقّ له اسم مما خلقه من الكلام في غيره، ولم يُشتقّ له اسم مما خلقه من الصفات والأعراض في غيره؟!
فأنت أيها القدري نقضت أصولك بعضها ببعض، وأفسدت قولك في مسألة الكلام بقولك في مسألة القدر، وقولك في القدر بقولك في الكلام، فجعلتَه متكلمًا بكلام قائم بغيره، وأبطلت أن يكون فاعلًا بفعل قائم بغيره، فإن كنت أصبتَ في مسألة الكلام فقد نقضتَ أصلك في القدر، وإن أصبتَ في هذا الأصل لزم خطؤك في مسألة الكلام، فأنت مخطئ على التقديرين.
(١) في «م» ومتن «د»: «الجبري» خطأ، والمثبت من «ج» وحاشية «د»، وعليه يدل السياق.
قال القدري١: فما تقول أنت في هذا المقام؟
قال السني: أنا لا أتناقض في هذا ولا في هذا، بل أصفه سبحانه بما قام به، وأمتنع مِن وصفه بما لم يقم به.
قال القدري٢: فالآن حمي الوطيس، فأنت والمسلمون وسائر الخلق تسمونه تعالى خالقًا ورازقًا ومميتًا، والخلق والرزق والموت قائم بالمخلوق المرزوق الميت، إذ لو قام ذلك بالربّ سبحانه فالخلق إما قديم وإما حادث، فإن كان قديمًا لزم قدم المخلوق؛ لأنه نِسْبة بين الخالق والمخلوق، ويلزم من كونها قديمة قدم المصحِّح لها، وإن كان حادثًا لزم قيام الحوادث به، وافتقر ذلك الخلق إلى خلق آخر، ولزم التسلسل، فثبت أن الخلق غير قائم به سبحانه، وقد اشتُقّ له منه اسم.
قال السني: أي لازم من هذه اللوازم التزمه المرء كان خيرًا من أن ينفي صفة الخالقية عن الرب تعالى؛ فإن حقيقة هذا القول أنه غير خالق، فإن إثباتَ خالق بلا خلق إثباتُ اسم لا معنى له، وهو كإثبات سميع لا سمع له، وبصير لا بصر له، ومتكلم وقادر لا كلام له ولا قدرة، فتعطيل الرب تعالى عن فعله القائم به كتعطيله عن صفاته القائمة به، والتعطيل أنواع:
تعطيل المصنوع عن الصانع، وهو تعطيل الدهرية والزنادقة.
وتعطيل الصانع عن صفات كماله ونعوت جلاله، وهو تعطيل الجهمية نفاة الصفات.