شفاء العليل

المُتَهَوِّكين١، وتشكيكات المتكلمين، وتكلفات المُتنطّعين، واستمطر دِيَم الهداية من كلمات أعلم الخلق بربِّ العالمين، فإن كلماته الجوامع النوافع في هذا الباب وفي غيره كفَتْ وشفَتْ، وجمعتْ وفرَّقتْ، وأوضحتْ وبيَّنتْ، وحلَّتْ محل التفسير والبيان لما تضمنه القرآن.

ثم تلاه أصحابه من بعده على نهجه المستقيم، وطريقه القويم، فجاءت كلماتهم كافية شافية، مختصرة نافعة، لقرب العهد ومباشرة التلقي من تلك المشكاة، التي هي مظهر كل نور، ومنبع كل خير، وأساس كل هدى.

ثم سلك على آثارهم التابعون لهم بإحسان، فاقتفوا طريقهم، وركبوا منهاجهم، واهتدوا بهداهم، ودعوا إلى ما دعوا إليه، ومضوا على ما كانوا عليه.

ثم نبغ في عهدهم وأواخر عهد الصحابة مجوسُ هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر، وأنّ الأمر أُنُف، فمَن شاء هدى نفسه، ومَن شاء أضلها، ومَن شاء بخسها حظَّها٢ وأهملها، ومَن شاء وفّقها للخير وكمّلها، كل ذلك مردود إلى مشيئة العبيد، ومُقْتَطَع من مشيئة العزيز الحميد، فأثبتوا في ملكه ما لا يشاء، وفي مشيئته ما لا يكون.

ثم جاء خَلْفُ هذا السلف، فقرروا ما أسَّسَه أولئك من نفي القدر وسمّوه عدلًا، وزادوا عليه نفي صفاته سبحانه وحقائق أسمائه وسمّوه توحيدًا.

  1. (١) الحيرى المترددون، "القاموس" (هوك) (٩٥٨).
  2. (٢) "م": "حقها"، والمثبت من "د" له نظائر من كلام المؤلف، وليس في "م": "وأهملها".
9

فالعدل عندهم إخراج أفعال الملائكة والإنس والجن وحركاتهم وأقوالهم وإراداتهم عن قدرته ومشيئته وخلقه، والتوحيد عند متأخريهم تعطيله عن صفات كماله، ونعوت جلاله، وأنه لا سمع له، ولا بصر، ولا قدرة، ولا حياة، ولا إرادة تقوم به، ولا كلام، ما تكلم ولا يتكلم، ولا أمَرَ ولا يأمر، ولا قال ولا يقول، إنْ ذلك إلا أصوات وحروف مخلوقة في الهواء، أو في محل مخلوق، ولا استوى على عرشه فوق سماواته، ولا تُرفع إليه الأيدي، ولا تَعرُج الملائكة والروح إليه، ولا ينزل الأمر والوحي من عنده، وليس فوق العرش إلهٌ يُعبد، ولا ربٌّ يُصلَّى له ويُسْجَد، ما فوقه إلا العدم المحض والنفي الصِّرْف، فهذا توحيدهم، وذاك عدلهم.

فصل

ثم نبغت طائفة أخرى من القدرية، فنفت فعل العبد وقدرته واختياره، وزعمت أن حركته الاختيارية ــ ولا اختيار ــ كحركة الأشجار عند هبوب الرياح، وكحركات الأمواج، وأنه على الطاعة والمعصية مجبور، وأنه غير مُيَسَّرٍ لما خُلِق له، بل هو عليه مَقْسور ومَجْبور.

ثم تلاهم أتباعهم على آثارهم مُقتدين، ولمنهاجهم مُقتفين، فقرّروا هذا المذهب، وانتموا إليه وحققوه، وزادوا عليه أن تكاليف الربّ تعالى لعباده كلها تكليفُ ما لا يُطاق، وأنها في الحقيقة كتكليف المُقْعَد أن يرقى إلى السبع الطِّباق، فالتكليف بالإيمان وشرائعه تكليف بما ليس من فعل العبد، ولا هو له بمقدور، وإنما هو تكليف بفعل مَن هو منفرد بالخلق، وهو على كل شيء قدير، فكلّف عباده بأفعاله، وليسوا عليها قادرين، ثم عاقبهم عليها، وليسوا في الحقيقة لها فاعلين.

10

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي