شفاء العليل

الحي والميت بالفعل، ولهذا قال غير واحد من السلف: الحيُّ الفعّال. وقال عثمان بن سعيد: كل حيّ فَعَّال١.

ولم يكن ربُّنا ﵎ قط في وقت من الأوقات المحققة أو المقدّرة معطّلًا عن كماله من الكلام والإرادة والفعل.

وأما التسلسل الممكن فالتسلسل في مفعولاته من هذا الطرف، كما يتسلسل في طرف الأبد، فإنه إذا لم يزل حيًّا قادرًا مريدًا متكلمًا - وذلك من لوازم ذاته - فالفعل ممكن له بوجوب هذه الصفات له، وأن يفعل أكمل من أن لا يفعل، ولا يلزم من هذا أنه لم يزل الخلق معه؛ فإنه سبحانه متقدّم على كل فردٍ فردٍ٢ من مخلوقاته تقدّمًا لا أول له، فلكل مخلوق أول، والخالق سبحانه لا أول له، فهو وحده الخالق، وكل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن.

قالوا: وكل قول سوى هذا فصريح العقل يرده، ويقضي ببطلانه، وكل من اعترف بأن الربّ تعالى لم يزل قادرًا على الفعل لزمه أحد أمرين لابد له منهما: إما بأن يقول: إن الفعل لم يزل ممكنًا، وإما أن يقول: لم يزل واقعًا، وإلا تناقض تناقضًا بيّنًا؛ حيث زعم أن الربّ تعالى لم يزل قادرًا على الفعل، والفعل محال ممتنع لذاته، لو أراده لم يمكن وجوده، بل فَرْض إرادته عنده محال، وهو مقدور له، وهذا قول يناقض بعضه بعضًا.

  1. (١) لم أقف عليه، وفي «النقض على المريسي» (١/ ٢١٥): «كل حي متحرك لا محالة، وكل ميت غير متحرك لا محالة»، ونقل البخاري في «خلق الأفعال» (٢/ ١٩٢) عن نعيم معنى ما في المتن.
  2. (٢) رمز فوقهما بالصحة في «م».
16

وأجابت طائفة أخرى بالجواب المركّب على جميع التقادير، فقالوا: تسلسل الآثار إما أن يكون ممكنًا أو ممتنعًا، فإن كان ممكنًا فلا محذور في التزامه، وإن كان ممتنعًا لم يلزم من بطلانه بطلان الفعل الذي لا يكون المخلوق إلا به؛ فإنا نعلم أن المفعول المنفصل لا يكون إلا بفعل، والمخلوق لا يكون إلا بخلق، قبل العلم بجواز التسلسل وبطلانه.

ولهذا كثير من الطوائف يقولون: الخلق غير المخلوق، والفعل غير المفعول، مع قولهم ببطلان التسلسل، مثل كثير من أتباع الأئمة الأربعة، وكثير من أهل الحديث والصوفية والمتكلمين.

ثم من هؤلاء من يقول: الخلق - الذي هو التكوين - صفة قديمة، كالإرادة.

ومنهم من يقول: بل هي حادثة بعد أن لم تكن، كالكلام والإرادة، وهي قائمة بذاته سبحانه، وهم الكرّامية ومن وافقهم، أثبتوا حدوثها وقيامها بذاته، وأبطلوا دوامها؛ فرارًا من القول بحوادث لا أول لها، وكلا الفريقين لا يقول: إن ذلك التكوين والخلق مخلوق، بل يقول: إن المخلوق وُجِد به كما وُجِد بالقدرة.

قالوا: فإذا كان القول بالتسلسل لازمًا لكل من قال: إن الربّ تعالى لم يزل قادرًا على الخلق، يمكنه أن يفعل بلا ممانع= فهو لازم لك، كما ألزمتَه لخصومك، فلا ينفردون بجوابه دونك. وأما ما ألزموك به من وجود مفعول بلا فعل، ومخلوق بلا خلق، فهو لازم لك وحدك.

قالوا: ونحن إنما قلنا: الفعل صفة قائمة به سبحانه، وهو قادر عليه لا يمنعه منه مانع، والفعل القائم به ليس هو المخلوق المنفصل عنه، فلا يلزم

17

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي