شفاء العليل

القدرة والداعية للفعل، ومقارنة طوله ولونه وشمّه وغير ذلك من صفاته للفعل، ونسبة ذلك كله عند الجبري إلى الفعل نسبة واحدة، والله سبحانه أجرى العادة بخلق الفعل عند القدرة والداعي لا بهما، وإنما اقترن الداعي والقدرة بالفعل اقترانًا مجرّدًا. ومعلوم أن هذا قدح في الضروريات.

ولا ريب أن من نظر إلى تصرفات العقلاء ومعاملاتهم مع بعضهم بعضًا؛ وجدهم يطلبون الفعل من غيرهم طلب عالم بالاضطرار أن المطلوب منه الفعل هو المحصِّل له، الواقع بقدرته وإرادته، ولذلك يتلطفون لوقوع الفعل منه بكل لطيفة، ويحتالون عليه بكل حيلة، فيعطونه تارة، ويزجرونه تارة، ويوبّخونه تارة، ويتوصلون إلى إخراج الفعل منه بأنواع الرغبة والرهبة، ويقولون: قد فعل فلان كذا١، فما لك لا تفعل كما فعل؟ وهذا أمر مشاهد بالحسِّ والضرورة.

فالعقلاء ساكنو الأنفس إلى أن الفعل من العبد يقع، وبه يحصل، ولو حرك أحدُهم أصبعه، فشتمْتَ المحرِّك لها، لغضب وشتمك، وقال: كيف تشتمني؟ ولم يقل: لِمَ تشتم ربّي؟

وهذا أوضح من أن يُضرب له الأمثال، أو يُبسط فيه المقال، وما يعرض في ذلك من الشُّبه جارٍ مجرى السَّفْسَطة.

وقد فطر الله سبحانه العقلاء على ذمِّ فاعل الإساءة، ومَدْح فاعل الإحسان، وهذا يدل على أنهم مفطورون على العلم بأنه فاعل؛ لأن الذم فرع عليه، ويستحيل أن يكون الفرع معلومًا باضطرار، والأصل ليس كذلك.

  1. (١) «فلان» من «ج».
20

والعقلاء قاطبة يعلمون أن الكاتب مثلًا يكتب إذا أراد، ويمسك إذا أراد، وكذلك الباني١ والصانع، وأنه إذا عجزت قدرته، أو عدمت إرادته بطل فعله، فإن عادت إليه القدرة والإرادة عاد الفعل.

وقولك: «لو كان ذلك أمرًا ضروريًا لاشترك العقلاء فيه»، جوابك: أنه لا يجب الاشتراك في الضروريات، فكثير من العقلاء يخالفون كثيرًا من الضروريات لدخول شبهة عليهم، ولا سيما إذا تواطؤوا عليها وتناقلوها، كمخالفة الفلاسفة في الإثبات لكثير من الضروريات، وهم جمع كثير من العقلاء.

وهؤلاء النصارى مذهبهم مما يُعلم فساده بضرورة العقل، وهم يناظرون عليه ويَنْصرونه.

وهؤلاء الرافضة يزعمون أن أبا بكر وعمر ﵄ لم يؤمنا بالله ورسوله طرفة عين، ولم يزالا عدوَّيْن لرسول الله ﷺ، مترصّدَيْن لقتله، وأن رسول الله ﷺ أقام عليًا على رؤوس جميع الصحابة وهم ينظرون إليه جهرة، وقال: هذا وصيي وولي العهد بعدي، فكلكم له تسمعون، فأطبقوا كلهم على كتمان هذا النص وعصيانه.

وهؤلاء الجهمية ــ ومَن قال بقولهم ــ يقولون ما يخالف صريح المعقول؛ من وجود مفعول بلا فعل، ومخلوق بلا خلق.

  1. (١) اضطرب في رسمها النساخ، والمثبت من «ط»، والجمع في التمثيل بين الباني والصانع شائع في كتب العقائد، انظر مثلًا: «الصواعق المرسلة» (٢/ ٤٩٣)، «المواقف» (٣/ ١٢).
21

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي