شفاء العليل

والعقلاء قاطبة يعلمون أن الكاتب مثلًا يكتب إذا أراد، ويمسك إذا أراد، وكذلك الباني١ والصانع، وأنه إذا عجزت قدرته، أو عدمت إرادته بطل فعله، فإن عادت إليه القدرة والإرادة عاد الفعل.

وقولك: «لو كان ذلك أمرًا ضروريًا لاشترك العقلاء فيه»، جوابك: أنه لا يجب الاشتراك في الضروريات، فكثير من العقلاء يخالفون كثيرًا من الضروريات لدخول شبهة عليهم، ولا سيما إذا تواطؤوا عليها وتناقلوها، كمخالفة الفلاسفة في الإثبات لكثير من الضروريات، وهم جمع كثير من العقلاء.

وهؤلاء النصارى مذهبهم مما يُعلم فساده بضرورة العقل، وهم يناظرون عليه ويَنْصرونه.

وهؤلاء الرافضة يزعمون أن أبا بكر وعمر ﵄ لم يؤمنا بالله ورسوله طرفة عين، ولم يزالا عدوَّيْن لرسول الله ﷺ، مترصّدَيْن لقتله، وأن رسول الله ﷺ أقام عليًا على رؤوس جميع الصحابة وهم ينظرون إليه جهرة، وقال: هذا وصيي وولي العهد بعدي، فكلكم له تسمعون، فأطبقوا كلهم على كتمان هذا النص وعصيانه.

وهؤلاء الجهمية ــ ومَن قال بقولهم ــ يقولون ما يخالف صريح المعقول؛ من وجود مفعول بلا فعل، ومخلوق بلا خلق.

  1. (١) اضطرب في رسمها النساخ، والمثبت من «ط»، والجمع في التمثيل بين الباني والصانع شائع في كتب العقائد، انظر مثلًا: «الصواعق المرسلة» (٢/ ٤٩٣)، «المواقف» (٣/ ١٢).
21

وهؤلاء الفلاسفة ــ وهم المُدِلّون بعقولهم ــ يثبتون ذواتًا قائمة بأنفسها خارج الذهن، ليست في العالم، ولا خارجة عن العالم، ولا متصلة به، ولا منفصلة عنه، ولا مباينة له، ولا محايثة، وهو مما يُعلم بصريح العقل فساده.

وهؤلاء طائفة الاتحادية تزعم أن الله هو هذا الوجود المشهود، وأن التعدد والتكثير فيه وهم محض.

وهؤلاء منكرو الأسباب يزعمون أنه لا حرارة في النار تحرق بها، ولا رطوبة في الماء يروي بها، وليس في الأجسام أصلًا قوى ولا طبائع، ولا في العالم شيء يكون سببًا لشيء آخر البتّة.

وإن لم تكن هذه الأمور جحدًا للضروريات فليس في العالم مَنْ جَحَد الضروريات، وإن كانت جحدًا للضروريات بطل قولكم: إن جمعًا من العقلاء لا يتفقون على ذلك.

والأقوال التي جحد بها المتكلمون الضروريات أضعاف أضعاف ما ذكرناه، فهم أجحد الناس لما يُعلم بضرورة العقل.

وكيف يصح في عقل سليم: سميعٌ لا سمع له، بصيرٌ لا بصر له، حيٌّ لا حياة له؟!

أم كيف يصح عند ذي عقل: مرئيٌّ يُرى بالأبصار عيانًا لا فوق الرائي، ولا تحته، ولا عن يمينه، ولا عن يساره، ولا خلفه، ولا أمامه؟!

أم كيف يصح عند ذي عقل: إثباتُ كلام قديم أزلي، لو كان البحر يمده من بعده سبعة أبحر، وجميع أشجار الأرض على اختلافها وكبرها وصغرها أقلام يُكتب بها= لنفدت البحار، وفنيت الأقلام، ولم يفنَ ذلك الكلام. ومع

22

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي