شفاء العليل

هذا فهو معنى واحد لا جزء له، ولا ينقسم، والنهي١ فيه عين الأمر، والنفي فيه عين الإثبات، والخبر فيه عين الاستخبار، والتوراة فيه عين الإنجيل وعين القرآن، وذلك كله أمر واحد إنما يختلف بمسمياته ونسبته. وقد أطبق على هذا جمع عظيم من العقلاء، وكفّروا من خالفهم فيه، واستحلّوا منهم ما حرّمه الله.

وهؤلاء الجهمية يقولون: إن للعالم صانعًا قائمًا بذاته، ليس في العالم، ولا هو خارج العالم، ولا فوق العالم، ولا تحته، ولا خلفه، ولا أمامه، ولا عن يمينه، ولا عن يَسْرَته، ولا هو مباين له، ولا مُحَايِث له. فوصفوا واجب الوجود بصفة ممتنع الوجود، وكفّروا من خالفهم في ذلك، واستحلّوا دمه، وقالوا ما يُعلم فساده بصريح العقل.

ولو ذهبنا نذكر كل ما جحد فيه أكثر الطوائف الضروريات لطال الكتاب جدًّا.

وهؤلاء النصارى أمة قد طبقت شرق الأرض وغربها، وهم من أعظم الناس جحدًا للضروريات.

وهؤلاء الفلاسفة هم أهل المعقولات، وهم من أكثر الناس جحدًا للضروريات.

فاتفاق طائفة من الطوائف على المقالة لا يدل على [عدم]٢ مخالفتها لصريح العقل، وبالله التوفيق.

  1. (١) «م» «ج»: «وهو النهي» كأنها إقحام، والتصويب من «د».
  2. (٢) زيادة لازمة لإقامة المعنى.
23

فصل١

قال القدري: قال الله ﷿: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، وعند الجبري: أن الكل فعل الله، وليس من العبد شيء.

قال الجبري: في الكلام استفهام مقدَّر، تقديره: أفمن نفسك؟ فهو إنكار لا إثبات، وقرأها بعضهم: ﴿فَمَنْ نَفْسُك﴾؟ بفتح الميم ورفع نفسك٢، أي: مَن أنت حتى تفعلها؟

قال: ولابد من تأويل الآية وإلا ناقض قوله في الآية التي قبلها: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨]، فأخبر أن الحسنات والسيئات جميعًا من عنده، لا من عند العبد٣.

قال السني: أخطأتما جميعًا في فهم الآية أقبح خطأ، ومنشأ غلطكما ظنكما أن الحسنات والسيئات في الآية المراد بها الطاعات والمعاصي التي هي فعل العبد الاختياري، وهذا وهم محض في هذه الآية، وإنما المراد بها النعم والمصائب.

ولفظ الحسنات والسيئات في كتاب الله يراد به هذا تارة، وهذا تارة،

  1. (١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٨/ ١١٠ - ١١٤)، (١٤/ ٢٣٤ - ٢٤٥)، والمؤلف صادر عنه.
  2. (٢) وهي قراءة شاذة، انظر: «الكامل» (٥٢٩)، «البحر المحيط» (٣/ ٧٢١).
  3. (٣) «د» «م»: «من عند العبد» دون «لا»، والتصويب من «ج».
24

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي