قال القدري: قال الله ﷿: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾[النساء: ٧٩]، وعند الجبري: أن الكل فعل الله، وليس من العبد شيء.
قال الجبري: في الكلام استفهام مقدَّر، تقديره: أفمن نفسك؟ فهو إنكار لا إثبات، وقرأها بعضهم: ﴿فَمَنْ نَفْسُك﴾؟ بفتح الميم ورفع نفسك٢، أي: مَن أنت حتى تفعلها؟
قال: ولابد من تأويل الآية وإلا ناقض قوله في الآية التي قبلها: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾[النساء: ٧٨]، فأخبر أن الحسنات والسيئات جميعًا من عنده، لا من عند العبد٣.
قال السني: أخطأتما جميعًا في فهم الآية أقبح خطأ، ومنشأ غلطكما ظنكما أن الحسنات والسيئات في الآية المراد بها الطاعات والمعاصي التي هي فعل العبد الاختياري، وهذا وهم محض في هذه الآية، وإنما المراد بها النعم والمصائب.
ولفظ الحسنات والسيئات في كتاب الله يراد به هذا تارة، وهذا تارة،
وأما قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾[الأنعام: ١٦٠]، وقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾[هود: ١١٤]، وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾[الفرقان: ٧٠]، المراد به في هذا كله الأعمال المأمور بها والمنهي عنها.
وهو سبحانه إنما قال: ﴿مَا أَصَابَكَ﴾، ولم يقل: «ما أصبت، وما كسبت»، فما يفعله العبد يقال فيه: ما أصبت وكسبت وعملت، كقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾[طه: ١١٢]، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾[النساء: ١٢٣]، ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا﴾[النساء: ١١٢]، وقول المذنب التائب: يا رسول الله، أصبتُ ذنبًا فأقم عليَّ كتاب الله١، ولا يقال في هذا: أصابك ذنب، وأصابتك سيئة.
(١) أخرجه البخاري (٦٨٢٣)، ومسلم (٢٧٦٤) بنحوه من حديث أنس.