وأما قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾[الأنعام: ١٦٠]، وقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾[هود: ١١٤]، وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾[الفرقان: ٧٠]، المراد به في هذا كله الأعمال المأمور بها والمنهي عنها.
وهو سبحانه إنما قال: ﴿مَا أَصَابَكَ﴾، ولم يقل: «ما أصبت، وما كسبت»، فما يفعله العبد يقال فيه: ما أصبت وكسبت وعملت، كقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾[طه: ١١٢]، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾[النساء: ١٢٣]، ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا﴾[النساء: ١١٢]، وقول المذنب التائب: يا رسول الله، أصبتُ ذنبًا فأقم عليَّ كتاب الله١، ولا يقال في هذا: أصابك ذنب، وأصابتك سيئة.
(١) أخرجه البخاري (٦٨٢٣)، ومسلم (٢٧٦٤) بنحوه من حديث أنس.
وما يفعل به بغير اختياره يقال فيه: أصابك كقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾[الشورى: ٣٠]، وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾[التوبة: ٥٠]، وقوله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾[آل عمران: ١٦٥]، فجمع الله في الآية بين ما أصابوه بفعلهم وكسبهم، وما أصابهم مما ليس فعلًا لهم، وقوله: ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾[التوبة: ٥٢]، وقوله: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾[الرعد: ٣١]، وقوله: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾[المائدة: ١٠٦].
فقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾[النساء: ٧٩] هو من هذا القسم، لا من القسم الذي يصيبه العبد باختياره، وهذا إجماع من السلف في تفسير هذه الآية.
قال أبو العالية: «﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾: هذا في السراء، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾: هذا في الضراء»١.
وقال السُّدِّي: «الحسنة الخصب، تنتج مواشيهم وأنعامهم، ويحسن حالهم، وتلد نساؤهم الغلمان، قالوا: هذا من عند الله، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾، قال: الضرّ في أموالهم، تشاءموا بمحمد ﷺ وقالوا: هذا من عنده، يقولون: بتركنا ديننا واتباعنا محمدًا ﷺ أصابنا ما أصابنا، فأنزل الله تعالى ردًّا عليهم: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾[النساء: ٧٨]: الحسنة والسيئة»٢.
(١) أسنده الطبري (٧/ ٢٣٨)، وابن أبي حاتم (٣/ ١٠٠٨).
(٢) أسنده ابن أبي حاتم (٣/ ١٠٠٨) في ثلاثة أحاديث متفرقة.