فالعدل عندهم إخراج أفعال الملائكة والإنس والجن وحركاتهم وأقوالهم وإراداتهم عن قدرته ومشيئته وخلقه، والتوحيد عند متأخريهم تعطيله عن صفات كماله، ونعوت جلاله، وأنه لا سمع له، ولا بصر، ولا قدرة، ولا حياة، ولا إرادة تقوم به، ولا كلام، ما تكلم ولا يتكلم، ولا أمَرَ ولا يأمر، ولا قال ولا يقول، إنْ ذلك إلا أصوات وحروف مخلوقة في الهواء، أو في محل مخلوق، ولا استوى على عرشه فوق سماواته، ولا تُرفع إليه الأيدي، ولا تَعرُج الملائكة والروح إليه، ولا ينزل الأمر والوحي من عنده، وليس فوق العرش إلهٌ يُعبد، ولا ربٌّ يُصلَّى له ويُسْجَد، ما فوقه إلا العدم المحض والنفي الصِّرْف، فهذا توحيدهم، وذاك عدلهم.
فصل
ثم نبغت طائفة أخرى من القدرية، فنفت فعل العبد وقدرته واختياره، وزعمت أن حركته الاختيارية ــ ولا اختيار ــ كحركة الأشجار عند هبوب الرياح، وكحركات الأمواج، وأنه على الطاعة والمعصية مجبور، وأنه غير مُيَسَّرٍ لما خُلِق له، بل هو عليه مَقْسور ومَجْبور.
ثم تلاهم أتباعهم على آثارهم مُقتدين، ولمنهاجهم مُقتفين، فقرّروا هذا المذهب، وانتموا إليه وحققوه، وزادوا عليه أن تكاليف الربّ تعالى لعباده كلها تكليفُ ما لا يُطاق، وأنها في الحقيقة كتكليف المُقْعَد أن يرقى إلى السبع الطِّباق، فالتكليف بالإيمان وشرائعه تكليف بما ليس من فعل العبد، ولا هو له بمقدور، وإنما هو تكليف بفعل مَن هو منفرد بالخلق، وهو على كل شيء قدير، فكلّف عباده بأفعاله، وليسوا عليها قادرين، ثم عاقبهم عليها، وليسوا في الحقيقة لها فاعلين.
ثم تلاهم على آثارهم محققوهم من العُبّاد، فقالوا: ليس في الكون معصية البتَّة؛ إذ الفاعل مطيع للإرادة موافق للمراد، كما قيل:
أصبحتُ مُنْفَعِلًا لما يختارهمنِّي ففعلي كلُّه طاعاتُ١
ولاموا بعضَ هؤلاء على فعله، فقال: إن كنتُ عصيتُ أمره فقد أطعتُ إرادتَه، ومطيع الإرادة غير ملوم، وهو في الحقيقة غير مذموم.
وقرر محققوهم من المتكلمين هذا المذهب؛ بأن الإرادة والمشيئة والمحبّة في حق الرب سبحانه شيء واحد، فمحبته هي نفس مشيئته، وكل ما في الكون فقد أراده وشاءه، وكل ما شاءه فقد أحبّه.
وأخبرني شيخ الإسلام ــ قدَّس الله روحه ــ أنه لام بعضَ هذه الطائفة على محبّة ما يبغضه الله ورسوله، فقال له المَلوم: المحبة نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب، وجميع ما في الكون مراده، فأي شيء أُبْغِضُ منه؟!
قال الشيخ: فقلت له: إذا كان قد سخط على أقوام ولعنهم وذمّهم وغضب عليهم فواليتهم أنت وأحببتهم، وأحببت أفعالهم ورضيتها، تكون مواليًا له أو معاديًا؟
(١) نسبه شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (٨/ ٢٥٧) إلى نجم الدين محمد بن سوار بن إسرائيل، الفقير الشاعر الصوفي (٦٧٧ هـ)، وانظر: "تاريخ الإسلام" (١٥/ ٣٤٧). وأورد البيت دون نسبة في: "منهاج السنة" (٣/ ٢٥) و"الفرقان" (٢٣٧)، وسينشده المؤلف في (١/ ٤٨) من هذا الكتاب، وفي: "طريق الهجرتين" (١/ ٥٥، ٣٥٢، ٦٥٩)، و"مدارج السالكين" (١/ ٥٠٤، ٥٥٩، ٦٣٥).