شفاء العليل

وقال الوالبي: عن ابن عباس: «﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، قال: ما فتح الله عليك يوم بدر. وقال أيضًا: هو الغنيمة والفتح. والسيئة: ما أصابه يوم أحد: شُجَّ في وجهه، وكُسِرت رَباعِيته»١.

وقال أيضًا: «أما الحسنة فأنعم الله بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها».

وقال أيضًا: «ما أصابك من نكبة فبذنبك، وأنا قدّرت ذلك عليك»٢.

ذكر ذلك كله ابن أبي حاتم.

وفي تفسير أبي صالح: عن ابن عباس: «﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾: الخصب، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ الجدب والبلاء»٣.

وقال ابن قتيبة في هذه الآية: «الحسنة النعمة، والسيئة البلية»٤.

فإن قيل: فقد حكى أبو الفرج ابن الجوزي٥: عن أبي العالية أنه فسّر الحسنة والسيئة في هذه الآية بالطاعة والمعصية، وهو من أعلم التابعين؟

فالجواب: إنه لم يذكر بذلك إسنادًا، ولا نعلم صحته عن أبي العالية، وقد ذكر ابن أبي حاتم بإسناده عن أبي العالية ما تقدم حكايته، أن ذلك في السراء والضراء، وهذا هو المعروف عن أبي العالية، ولم يذكر ابن أبي حاتم

  1. (١) أسنده الطبري (٧/ ٢٤٢)، وابن أبي حاتم (٣/ ١٠١٠).
  2. (٢) أسنده وسابقه ابن أبي حاتم (٣/ ١٠١٠).
  3. (٣) أورده ابن الجوزي في «زاد المسير» (٢/ ١٣٧).
  4. (٤) «غريب القرآن» (١٣٠).
  5. (٥) «زاد المسير» (٢/ ١٣٨).
27

عنه غيره، وهو الذي حكاه ابن قتيبة عنه١.

وقد يقال: إن المعنيين جميعًا مرادان، باعتبار أن ما يوفقه الله له من الطاعات فهو نعمة في حقه أصابته من الله، كما قال تعالى: ﴿بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ﴾ [النحل: ٥٣]، فهذا يدخل فيه نعم الدين والدنيا، وما يقع منه من المعصية فهو مصيبة أصابته من الله، وإن كان سببها منه.

والذي يوضح ذلك أن الله سبحانه إذا جعل السيئة التي هي الجزاء على المعصية من نفس العبد بقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، فالعمل الذي أوجب الجزاء أولى أن يكون من نفسه، فلا منافاة بين أن تكون سيئة العمل من نفسه، وسيئة الجزاء من نفسه، ولا ينفي ذلك أن يكون الجميع من الله قضاءً وقدرًا، ولكن هو من الله عدل وحكمة ومصلحة وحَسَن، ومن العبد سيئة وقبيح.

وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقرؤها: (وما أصابك من سيئة فمن نفسك، وأنا قدّرتها عليك)٢، وهذه القراءة زيادة بيان، وإلا فقد دلّ قوله قبل ذلك: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] على القضاء السابق، والقدر النافذ.

  1. (١) لم أقف على حكايته، وقد أسنده ابن جرير عنه كما تقدم.
  2. (٢) لم أقف عليه عن ابن عباس بهذا الحرف، وحكاه عنه ابن عطية في «المحرر» (٢/ ٨٢) بلفظ: «وأنا قضيتها عليك»، وأسنده ابن المنذر في «التفسير» (٢٠٢٩) بلفظ: «وأنا كتبتها عليك»، ويروى كذلك عن أبي وابن مسعود كما في «تفسير ابن وهب» (٢٥٣)، و«فضائل القرآن» لأبي عبيد (٢٩٧)، وانظر: «تفسير القرطبي» (٦/ ٤٦٩ - ٤٧٠).
28

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي